قائم منهم في وجه الاستبداد يدفعه أو يخفض من سورته ؟ ! هل أظهر أحد منهم شكواه ؟ ! هل تألفت لهم قلوب يتعاونون بها على احتمال المظالم ؟ ! كلا . بل كانوا بُكماً لا ينطقون ولا يتحرّكون . كانوا ظالمين مظلومين عوناً للظالم على أنفسهم يتهللون بمظاهر الاستبداد المزخرفة كأن ذلك لم يكن مأخوذاً من دمائهم وأموالهم . وكانت ألسنتهم لا تنطق إلا بالثناء وأقلامهم لا تطرز إلا المدائح وإشاراتهم لا تصدر إلا بالاستحسان ، وأمنعوا في هذا الباب حتى سئمت نفوس السمتبدين ذاتهم من ذلك واسترذلوه وأذلّوهم مذلة من لا يقبل منه صرف ولا عدل . فحدثنا محدّث أنّ أحد الولاة السابقين زار مدينة طنطا في مولدها فتشرف عمد الغربية بالمثول بين يديه وخطر له أن يسألهم عن أحوال مديرهم وإدارته للأعمال فأطنبوا وأسهبوا كعادتهم في امتداحه وأفرغوا جعبة الثناء وأقسموا أن المديريّة لم تنزيّن في دهرها بمثل عدله ورأفته وحسن إرادته وخرجوا من عنده فتشوفّوا بحضرة المدير فنقلوا إليه ما حصل تزلفاً له وتقرّباً منه ، فتركهم ودخل على الوالي مكتئبا حزيناً يغيض من دمعه فوقع على اقدامه يقّبلها فاندهش الوالي لذلك وسأله عن حاله فقال له وهو مختنق بالدمع : هل بلغ من هوان أمري على مولاي وازدرائه بي أن يسأل العمد عن أحوالي وكيف يتسنى لي أن أحكمهم وأدير شؤونهم وقد رأوا أنهّم صاروا أهلًا في نظر مولاي للسؤال منهم عن أعمالي . . . بخ بخ . . . وقد كان من ضمن الوسائل التي تنفّن فيها الاستبداد أنه اتخذ من العمد وأعيان المديريات مديرين وحكاما لأجل أن يتوصل بهم إلى سلب ما بقي لدى الأهالي من ثروة أو قوت لكونهم أدرى بأحوالهم من بقية الحكّام وأعلم بمواضع الثروة ، فرأيناهم أشدّ وطأ على المصريين وأنفذ سلاحاً في جلو ردهم وأجرأ يداً في استلاب أموالهم من سواهم . ولم يقتصروا على نزع أقوات الأهالي وأملاكهم وإهدائها للحاكم وابتلاع جانب منها لأنفسهم ، بل كان أكبر همهم الإيقاع والبطش بأفراد عائلتهم وإيذاء أهلهم فكان فيهم الضارب لابنه والسالب لأبيه والقاتل لأخيه والمانع ماء الري عن أطيان أهله ليموت زرعهم وتخرب بيوتهم ، ثم هُم بعد ذلك معزولون مسلوبون .
ضياء الخافقين — صفحة 158
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٨