الإنجليز ، والمصريون يسلمون ذلك لهم ببساطتهم وبما بقي في نفوسهم من أثر الطاعة العمياء لأولئك الحكام ، ويشتركون معهم في التسخط من هذه الحالة حتى توهّم المصريون في حكامهم وفي أنفسهم استعداداً كافلًا لإجراء الإصلاح وتأييد الحرية وتخيّلوا أنهم نالوا بأنفسهم ما هم فيه اليوم من الحرية الشخصية وإصلاح المالية وتحسين أحوال الري وسلطة القانون وحفظ الأموال والأرواح وتنظيم الجيش وحرية الجرائد والأفكار حتى بلغت مصر في مدى تسع سنوات ما لم تبلغه أمّة أجنبية في مسافة مائة عام مع سفك الدماء وبذل الأرواح . ومال المصريون إلى جانب الأجانب الذّين لايهمهّم من حال المصري إلا أن يكون فريسة نفوذهم وقربان سلطانهم كما تعودوا عليه من زمان بعيد يمتصون دمه بأنبوبة الامتيازات الأجنبية . وكلما حاولت إنجلترا أن تساوي بين المصري والأجنبي وتخفض شيئاً من سورة تلك الامتيازات قامت قيامة الأجنبي الذي يموّه على المصريين أن لا غرض له إلا مصلحتهم خدمة للإنسانية ، وأن بقاء حالته متمتعا بانتزاف ثروة البلاد خارجاً عن حكم القانون غير متساو بالمصري في شيء من تكاليف الحكومة التي تحفظ له ماله وروحه مطلق اليد في هدرً دم المصري لا يتكلف لذلك أكثر من أن يتغيب عن مصر مدة يتمتع في أثنائها برؤية وطنه وإظهار أثر النعمة التي نالها من المصريين بواسطة الامتيازات ثم يعود إلينا ثانية في زي غير زيه وتمويه لهيئته ، ويقم بيننا على ما كان عليه . كل ذلك ضامن لراحة المصريين وحسن مستقبلهم كما يزعمون . ثم يطلب منابعد ذلك أن نتابعه على رأيه ونسايره في طريقه ونعضد شوكته ونفوذه لثبات تلك الحالة حتى لا تبتلعنا الدولة الإنجليزية . ليت شعري وأي ابتلاع يكون أبلغ من ابتلاعه لنا ! مثال ذلك أن تجتمع جماعة من الذئاب وقع بين أيديهم ظبي في طريقه أسد وله طريق آخر للنجاة من الفريقين فيقولون له بعد أن يخفوا عليه طريق النجاة إن الإصلاح لك والأنفع أن نقطعك أقساما ونتقسمك إرباً ونشترك بأجمعنا في افتراسك تحفظا عليك من أن يبطش بك الأسد دفعة واحدة ، فيسره ذلك ويساعدهم عليه ويقدم لهم أعضاءه واحداً فواحداً تسهلا لهم وفراراً من الأسد ، ويضل عن طريق نجاته من الطرفين وأن يسلط الأسد على الذئاب .
ضياء الخافقين — صفحة 163
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٣