فخفي على بعض النبهاء منا طريق النجاة وأخذوا يصيحون مع الأجنبي المشروح أمره ، وانتهزوا فرصة حرية الجرائد للقدح والطعن والصراخ والعويل . وكل ذلك ينحصر في أمرين : طلب الجلاء وتقصير الإنجليز في مباشرة الإصلاح . أما الجلاء فهو أول واجب على كل مصري وطني أن يسعى في الحصول عليه من أبوابه وفي أوقاته ولا ينثني عنه إلا كل ساقط النفس في مراتب الاجتماع البشرى ، بل هو من الأمور الطبيعية أن لا يقبل أحد حكومة الأجنبي عليه . ولكن ينبغي أن نسعى لذلك بالوسائل الفعالة المؤدية إليه بدون أن ينشأ عن ذلك ضرر ، وأن يكون في الوقت المناسب ، فإن الأمور مرهونة بأوقاتها . والبرهان قائم بأننا نبلغ درجة الحرية التي نتمتع بها الآن وما تبعها من الإصلاح إلا بواسطة الإنجليز دون سواهم وهم لم يستطيعوا ذلك إلا بوجود جيش الاحتلال بيننا ولولاه لما رضخ حكامنا لإشارة الإنجليز في إجراء الإصلاح المذكور ، ولولا دخول الإنجليز لما تيسر لنا أن ننال شيئا من ذلك بأنفسنا ، بدليل أننا أقمنا نحتمل الهوان والذل ولم نتفاد منه ، فضلا عن أننا كنا مساعدين للظالم على أنفسنا كما تقدم ، ونحن نحن لم تتغير أرواحنا ولا أجسامنا ولم تدخل في أنفسنا يد المعجزات فتغير نقصها كمالًا وجهلها علماً في مدّة تسع سنوات والنبهاء المهذبون فينا جزء ليس بعظيم . غاية الأمر يمكن لنا أن نقول إن الذين لم يتربوا على الظلم ولم تدخل في نفوسهم سجيّة الامتثال والهوان ولم يدركوه ولم يفترجوا في ملاعب الجبروت والعظمة هم صبيان الآن في سن التعلم الابتدائي .
ستأتي البقية
ضياء الخافقين — صفحة 164
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٤