تلك كانت حالنا في الزمن الماضي أقمنا عليها تقبّل اليد الّتي تذبح ونلثم الذيل اللموّث بدمائنا حتّى غاضت ثروة البلاد وأثقلت بالديون ، فوجد الأجانب لهم حقاً شرعيّا للتدخل في أمورنا وإدارة شئوننا حفظاً لأموالهم ، إلّاأنّهم كانوا متقصرين على هذا الباب فقط ليس من غرضهم ولا من مأربهم إصلاح حال المصري ونواله للحرّية وارتقائه في المدينة ، بل كان عامة سعيهم في ازدياد نفوذهم ونوال حقوقهم ؛ فاشتد الضنك ووصلنا للنتيجة الناشئة عن ذلك الإسراف في الظلم والتبذير في الأموال واستجيبت دعوة المظلوم والضعيف . خف دعوة المظلوم فهي سريعة ، طلعت فجاءت بالعداب النازل ، عزل الأمير عن البلاد وما له إلّادعاء ضعيفها من عازل . وما كدنا نخطو خطوة في طريق التنبه لأحوالنا والنظر في لمّ شعئنا وما كاد أولو النباهة منّا يتجر أون على الحاكم فيلتمسون منه إجراء الإصلاح وتشييد الحرّية ، كأن ذلك وهو الطريق الوحيد لنوالها وكأن حاكماً مطلقا يعطي الحرّية للأمة من تلقاء نفسه ، إنّما تتشيد الحرّية بيد الأمة لا بيد الحاكم كما قدّمناه وما زال ذلك ديدننا حتّى قامت الثورة العرابية . ومن وقف على حقيقة تلك الثورة علم أنها لم تكن من الثوارت المرتبة على طلب الحرية وتنظيم الحكومة وإنما اندفع إليها أربابها اندفاعا على غير استعداد لها ولا تروّ في أمرها . وكان منشؤها أن جماعة من الضباط غضبوا لمّا استحسوا بوجوب توفير في الجيش وفقد مراكزهم فيه وتقديم خلافهم عليهم فساعدتهم ظروف تلك الأحوال على المجاهرة بنفور هم فطلبوا عدم التوفير في الجيش أولاد فردعتهم الوزارة وضيقت عليهم ولكنهم وجدوا معيناً لهم طرف آخر يحاول أن ينتفع من حركتهم فطلبوا عزل الوزراة ثانيا ثمّ تورطوا في الأمر وأحبّوا أن تدخل الأهالي في زمرتهم فطلبوا تشكيل مجلس للنواب ثالثا . وما زالت دسائس أولي الأغراض وسيال الحوادث ومجراها وأحكام الصدفة تدفع بهم تجذبهم بأصابعها حتّى عظم امرهم وقويت شوكتهم فاجتمع عليهم الجانب عظيم من المصريين بعضهم لغرض شخصي وبعضهم لملل من تلك الحالة ، وبعضهم لمجرد الميل إلى الجانب الأقوي والبعض الآخر لأملهم في حصول أيّ تغيير في الأحوال كما يتولع بذلك أكثر أفراد
ضياء الخافقين — صفحة 160
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٠