تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
نفسك ؟ قال له شرما قال : إن انتصر قيصر قتلني ، وإن انتصر بومبيه قتلت نفسي . قال له صاحبه : وكيف ذلك ولك من علو المكان بين حزب بومبيه ما يضمن لك أن تكون في منزلة عظيمة إذا انتصروا ، فأجابه الفيلسوف إن غرضي أن أعيش حرّا بين قوم أحرار لا أن أعيش عزيزاً بين قوم أذلاء . ثم انحاز قسم من المصرين إلى الحاكم تعلقاً بأسباب حفظ الحالة التي كانوا عليها والتمسك بمراكز هم التي نالوها وطلب من دولة الإنجليز أن تساعد على إطفاء الثورة فحضرت عساكرها وحصلت الحرب التي ليس هنا موضع تفصيل أحوالها فهزمت العساكر المصرية وفرّ رئيسها من ساحة الحرب استبقاء للحياة مع الثقة بذلك . ودخلت الإنجليز بعد أن سفكت دماءها وأنفقت أموالها ولم تفعل ذلك إنجلترا محبّة في سواد عيون المصريين بل لأغراض لها دفعتها إليها . ولما دخلت رجال الإنجليز حقنت الدماء وأغدمت سيف الانتقام وأخذت تباشر ما في نيتها من الإصلاح وإقامة منار الحرية على مقتضى ما نالته أمم أوروبا بأتعاب جسمية وتكاليف شاقة في مسافة قرون عديدة كما تقدم في صدر المقدمة ، ولكنها وجدت المصريين مختلفي الرأي متفرقي الكلمة ، ووجدت بينهم علو كلمة الأجنبي والدخيل ووجدت مصر أشبه شيء بمدينة بابل يوم تبلبلت الألسن فلم تتمّكن من الوقوف على حالة المصريين واستعدادهم ولياقتهم بالنسبة لما تقدم وبالنسبة لجهل رجالها بلغة البلاد وعوائدها ، واشتبه عليها الأمر فلم تجد أمامها رجالًا تنشر الإصلاح بواسطتهم إلّامن وجدتهم قابضين على أزمة الإدارة والحكومة ولم تجد من المصريين نفوراً منهم أو انحرافاً عنهم وهم من علمت لم تسلم يد أحد منهم من انغماسها في غمار الأزمان السابقة أزمان الظلم والاستبداد ، شبوا عليها وشابوا فيها وذاقوا لذتها ونالوا من فائدتها . فلم تر الإنجليز بدّا من مباشرة الإصلاح على أيديهم ولم يوقفها المصريون على طريقة أخرى سوى هذا السبيل فكانت تسعطهم أسباب الإصلاح في أنوفهم كما يتسعط المريض الدواء وكانوا ينتقمون لأنفسهم ، فما كان من خير وإصلاح جبروا على فعله وقهروا عليه ، نسبوه أمام المصريين لأنفسهم وما كان من شرّ وخلل وتقصير تمكنوا من إبقائه ودوامه نسبوه إلى