تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فكانت رجال الحكومة والإدارة عبارة سلسلة من النهب والتعدّي تظلم الحلقة الكبرى منها الحلقة الصغرى بالتدريج وهكذا إلى أن تصل إلى الفلاح المسكين فتنطبق على عنقه حتّى تسوخ أقدامه في الطين ليستخرج لهم منه ما يريدونه من ذهب الأرض ممزوجاً بدمه ودمعه وعرق جبينه ، فينتفل ذلك من الحلقة الصغرى إلى الحلقة اكبرى ، وهلم جرا حتى يصل إلى يد الحاكم القابض على أطراف السلسة . ولو استرسلنا في هذا الباب لمّا وسعته المجلدات الّتي لا تسعها الكتبخانات وإنّما أردنا أن نذكر قطرة من يجور تلك المظالم وسوء الأحوال لينتبه إليها المصريّون وليتذكروا ما كانوا فيه إن الذكري تنفع المؤمنين فيخجل بعض أولي الأغراض منهم من التبجح با متداح تلك الحال الماضية والتأسف من تجاوزها إلى ما نحن فيه اليوم وتسميتها بأيّام الرواج وأزمان السعادة ويتمنون أن لو عادوا إليها وعادت لهم . ولهم شبه العذر بأن يعدّوها أيام رواج لأن تداول مائتي مليون جنيه تقريباً في مدد ثماني عشرة سنة وتنقلها من أجزاء تلك الحلقات حتّى خرجت عن مصر ، يعده البسيط الساذج وذو الغرض رواجا فضلا عن مبلغ المائة مليون جنيه من الدَّين الذي استدانته الحكومة من الأجانب ، وما لبث أن عاد إليهم وما سلّم على مصر حتّى ودّعها . فإن صح أن الصرّاف الذي تتداول على يده الألوف من الجنيهات يوميا فيقبضها ثمّ يصرفها ، أنه غني وذو ثروة من أثر ذلك صح أن تلك الأيام كانت أيام سعادة ورواج . وما الذي يؤمنهم إن عادت لهم تلك الحال أن يكونوا هم أول مسلوب وأول مقتول ؟ هل اتخذوا عقداً وميثاقاً من الظالم أن يكونوا سالبين غير مسلوبين مرتفعين غير متضعين ؟ ! فالظالم لا عهد له . وقد رأوابأعينهم من كان أعظم منهم مرتبة وأعلى منزلة ، لم يحلموا بنوالها في نومهم كيف أخذ في ليلة واحدة فقتل ثم سلب وكان أعز صديق وأكبر معين . فأولى لهم ثم أولى لهم أن يحمدوا الخالق على خروجهم من تلك الحال سالمين وليتمتعوا بما بقي لهم من ثروتهم وليخفضوا على أنفسهم وتيركوا هذه الأوهام والخيالات ولا يكونوا حجة للأجنبي علينا .