دون سواها فيبذل جانب منها لإرضاء هذه الدولة ورفع غضب الأخرى وترتيب الدسائس للوصول إلى غرض معلوم مضرّة بمصر ومداراة أرباب الجرائد الأوروبية خفية أن تنشر شيئاً مما يصل إليها من أنواع تلك المظالم . وكان يكفي لمن رام الغنى والثروة من الأجانب أن يشهل عزمه على تأليف كتاب في حالة مصر فتنثر أمامه الألوف من الدنانير وتهال عليه ، فيسقط القلم من يده وربما عمد إلى عكس ما أراده فينشر تأليفه محتوياً على أنواع المفتريات التي تشهد بحسن الحالة المصرية . ثمّ ينفق جانب آخر منها لتشييد القصور التي تضل في ساحاتها الصافنات الجياد فيفتر شونها من السندس ويموهون بنيانها بالذهب يجعلون فيها لأنفسهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون . ثم يستجلب لسكناها الآلاف من الجواري الكاعبات والقيان المعزفات من أقاصي البلدان وشاسع الأقطار فيتقلدن الجواهر ويطأن الدر والمرجان ، يؤتي لهن بالعبيد الخصي حراساً ورقباء فلا يلبثون أن يصيروا ساداتنا وأشرافنا وأمراءنا حتى كأنّما كان الشاعر ينعي عليها تلك الحال بظهر الغيب في قوله :
سادات كل أناس من نفوسهم * وسادة المسلمين الأعبد القزم
والعزيز الكريم فينا صاحب الهمة الشامخة والنظر العالي من كان متصلا بحبل من عبيد أولئك الخصي ، ولم يقنع طائر الشهوات بما لديه من الآلاف المؤلفة من الغواني بل كان يتقرب الدقائق والساعات للوقوع على الزانية الفاجرة والورهاء العاهرة فيكال لها الذهب كيلا في مبيت ليلة ويهدي إليها العقد من اليواقيت ، تجمّعت قيمته مما انتزع من أقوات مئات ألوف من المصريين . وأيم اللَّه لو علمت الفاجرة بشناعة الطرق والوسائل التي استعملت لجمع ثمن ذلك العقد وبكميّة الأنفس التي هلكت جوعاً والتي سفك دمها وأن ذلك الياقوت الأحمر إنما هو الدم المتجمد من أنفس الضعفاء والمظلومين والدمع القانىء المنسكب من أعين الأرامل واليتامى ، لعافته وأنفته ولأحست به منظوماً من رؤوس الأفاعي وأذناب العقارب . كيف كان شأن الوطنيين إذ ذاك وحالهم ؟ ! هل كانوا ساخطين على تلك الهيئة ؟ ! هل فزع منهم فازع يطلب رفع الظلم ونوال الحقوق الطبيعية ؟ ! هل قام