وقد مضى على مصر خاصة زمن ليس عهده ببعيد منّا ، كان فيه أهلها أسوأ أهل الشرق حالًا لم تنبئنا بذلك صحف التاريخ ولا تلقينا علمه عن أفواه الرّواة بل شاهدنا تلك الحال بأعيننا وقاسينا أهوالها بأنفسنا ويكفي لأحدنا أن يرجع النظر كرّة إلى الحال التي كنّا فيها قبل اليوم بمقدار سن المراهق فيرى الأموال منهوبة والأعراض مهتكة والبيوت مخرّبة ومكان الإنفس بين السيف والنطع والشنق والصلب والنفي والضرب والتعذيب وأهوالًا ولا كأهوال القيامة . واطمأنت على ذلك النفوس واستأنست به وكانت تخلو فما تنتاجى بالأماني حتى تخيلت أنّ هذا هو من موجبات نظام الهيئة الاجتماعية ومتقاضيات المدنية . كل ذلك والأ جانب عون عليهم لا يرشدونهم إلى طريق نجاتهم ولا يهدونهم إلى معرفة حقوقهم . وكانت أمنية الوطني الوحيدة أن ينسلخ عن جنسيته ووطنيته ليخلع عليه الأجنبي خلعة الحماية بعد أن يستفرغ منه جميع ثروته في سبيل الحصول على ذلك حتى يمكنه أن يعيش متحفّظاً على هذه الحياة الدنيئة بين أولئك الذئاب الطلس ، ثم ينظر من جهة أخرى إلى الحكومة فيرى شرّ ما رأته عين ، يَرى السلطان والقوّة فيها للأجنبي والرياسة والإدارة في يد قبضة من الرجال قد سبكتهم يد الاستبداد فأخلصتهم جسماً طائعاً متحركاً تديره كيف شاءت ليس له فكر يخشى منه التبصر في عواقب ما يصفه من الفظائع ولا علم يهذّب من قبيح أفعالهم بل هو مُسّخر ، آلة لجمع المال فيدلي دلوه في بئر ثروة الأهالي فيستنبط منها أموالهم معكرة بدمائهم وأحشائهم ثمّ يصب بها في حوض الاستبداد المتخرق فإذا نضبت البئر ولم يمتلئ ذلك الحوض بالطبع أخذ الظالم ما في يد المستقي مما اختلسه من المال أثناء انتهابه من الأهالي فاستوفاه منه ثم أمر به فقتل أو نفي أو طرد أو لزم بيته . أين كانت تصرف هذه المبالغ ؟ هل كانت تصرف في تنظيم نظام أو تأسيس مدينة أو نشر للعلوم وتقدّم العمران ؟ هل صرفت في حروب للمدافعة عن الوطن أو في فتوحات لتوسيع البلاد أو في إصلاح للأراضي وتعميم للري لتنصلح المزارع وتنزايد ثروة البلاد ؟ هل أنفقت في تنظيم للمحاكم أو تأييد للشرع أو في إنشاء فابريقات ومعامل وغير ذلك من المنافع العموميّة ؟ كلّا ثم كلّا . كانت تصرف هذه القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة في سبيل الشهوات خاصة وقفاً محتبساً عليها
ضياء الخافقين — صفحة 156
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٦