تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
الشريفة تعرض نفسها للأخطار وتلقي بأرواحها في نيران المهالك لاهمّ لها إلّاأن تعيش حرّة بين قوم أحرار حتى تأصل هذا الفكر في كثير من أفراد الأمم على توالى الدهور فقامو على الظَلَمة الذين يغلقون أمامهم أبواب تلك الحرية فانتصروا يوما وانهزموا آخر وسفكت الدماء وهلكت النفوس إلى أن وصلت الأمم الغربية إلى ما هي عليه الآن من نوال تلك الحريّة والتمدّن بعد أن تصارعت أرواحها مع جيوش الظلمة قرونا عديدة ثم تدرعّت بعد ذلك بدروع التهذيب والعلوم وتحصنت بالاتحاد والتآف والاتفاق والتحالف بين أفرادها لحماية ما في يدها من الحرية أن تعبث به أيدي رؤسائها وحكامها ، فقيدتهم بقيود النظام والقانون ووقفت أمامهم بالمرصاد وتيقنوا منها القوة والعزم والشهامة والثبات فغلبت أيديهم ومحي هول هذا الموقف ما تركب في النفوس من حب الاستبداد والاستئثار حتى صار نسياً منسيّا . وبقي الشرق مندمجا في جهالاته منغسما في ضلالاته لا يدري ما تلك المزية وما مقدارها حتى اختلطت الأمم العربية بأهله فلحظوا من خلال اختلاطهم وتداخلهم شعاع تلك الحريّة ؛ فانبهرت عيونهم واندهش لبهم ولم يقفوا على حقيقتها وحقيقة الطرق التي توصل إليها فعظم شأن الأجنبي في أعينهم وصار بالنسبة إليهم في درجة أرقى من درجتهم ( لأنه توصل إلى تلك المزية التي تجعل الإنسان إنساناً كاملًا كما تقدم ) فأهملوا البحث عن الأسباب التي ارتقت بها تلك الأمم إلى مراكزها والطريقة التي أنالتهم تلك الحرية لما في ذلك من التكاليف وتعريض الأنفس للتلف فاستسهلوا تقليد الأجنبي فيما لا تثقل تكاليفه عليهم ، فعمدوا إلى ظواهر التمدن فتحلوا به وأحسنوا التقليد له في الزي والمعاملات البسيطة والتكلم بلغاته والتمسك بتقاليده حتى صار الأجنبي عندهم الإمام الذي يهتدون به ويقتدون ؛ فتعالت مرتبته بينهم ، وانتهز هذه الفرصة لسلب أموالهم واستعبادهم وتنفيذ أغراضه ومآربه مستبشراً مسروراً بكونهم تعلقوا بظواهر التمدن دون بواطنه وأنهم لم يلتفتوا إلى سلوك الطريق التي أوصلته إلى الحرية والتمدن الحقيقي واهتداؤهم لذلك مما يعطل عليه أغراضه وأطماعه فامتلأ الأجنبي ثروة من جهة ماينترفه من دم الأهالي بسطوة وعلو كلمة ومن جهة ما يسحبه من ثروة الحكام المستبدين جزاء معاونة لهم على ظلمهم الأهالي .
ضياء الخافقين — صفحة 155 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني