تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤

الحق المرّ

( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) سوره نساء ، آية 135 قد استفحلت اليوم المناقشات والمجادلات وتكاثرت والمنازعات والمحاورات بين أربات الأقلام في الجرائد المصريّه بشأن الاحتلال الأجنبي ، وعظم القال والقيل في المجالس وانحصر حديث الخاص والعام في ذلك ، وكل فريق يتشيع لرأيه ويشيد فكره لا يطاوع إلّافيما يمليه عليه لسان الغرض الكامن في النفس ويشير به مشير الهوي المتسلط على الضمير فالحجة الدامغة عندهم والبرهان الساطع لديهم والقول الفاصل في مسائلهم التقريع واللّوم والتنديد بما يأتي به أحدهم في أقواله ، حتّى أشكل الأمر واختلف الشأن فانخذل سلطان الحقيقة وضلّت الأحلام وتخبّط سير العقول وظلّ المصري بينهم حيران مبهوتاً لا يدري على أيّ طريق يعرج وبأيّ نجم يهتدى وأيّ سبيل يقصد . فوجب إذن علي الوطني الصادق في وطنيّته أن يغض النظر عن تلك المنازعات ويطرح الأغراض الذاتية برهة وأن يضع بينه وبين حرب الأهواء هدنة وينظر إلى ضوء الحق فيقرره ، ويهدي إليه من لم يمل كل الميل إلى تلك المنازعات ومن كانت في نفسه بقية من حب الحق وإن كان مُرّا ، فنقول : فأول واجب طبيعي يسعي نحوه الإنسان إن أراد أن تنطبق عليه صفة الإنسانية هو الحصول علي حريّة اللسان الذي وهو ترجمان الضمير المفصح عن الأغراض وإعدام العوارض والمؤثرات الّتي تحول بينه وبين المزية وبخلاف ذلك يكون الإنسان في درجة ساقطة عن درجة الإنسانيّة والحيوانيّة أيضاً . ولما لهذه الحرية من الشأن الجليل والمقام الأول ، قد وجدنا صحف التاريخ مشحونة بذكر من مضى شهيداً في ميدان الحصول عليها ، وما زالت الأنفس