مطابق لتقليداتها السياسة تمام المطابقة ولا غبن ولا حيف فيه على الدولة العلية فإنها سمحت به مقابل تعهد إنجليز بمعونتها على محاربة الروس إذا اعتدوا عليها في آسيا . فتأمل هذه الحقيقة الثابتة واحكم بعدها على صدق الذين يعدون احتلال قبرص أكبر الأوزار ويدعون أن فرنسا حليفة الدولة العلية بعد امتلاكها للجزائر واحتلالها لتونس على غير رضى من أهلها ولا من الدولة ويصدّقون خرافات جرائدها مع أن جرائدها تنكر تعهد دولتها بالجلاء عن تونس على حين تعهدت فرنسا بذاك مرتين في معاهدتين رسميتين ثابتتين . ورابعاً : نعم إنّ احتلال إنجليز لمصر قد طال عمّا كان ينتظره المصريون والمحتلون أنفسهم وقد شهد لذلك جناب السير أفلن بارنج في تقريره حيث أبان الأسباب الّتي أوجبت طول هذا الاحتلال . وهي أسباب واضحة مقبولة ولكن مجدد طول الحتلال عمّا كان ينتظر لا يفيد أنه يكون احتلالًا دائماً . وأمّا قول المعترض الفاضل أنا ما سمعنا بأن المحتلين أو غير المحتلين تركوا بلاداً باختيارهم وإرادتهم بعد احتلالهم لها وإنما تركوها بقوة غيرها أو بإخراج أهلها لهم منها فهو قول مردود بشواهد كثيرة تاريخية سمعناها تحققناها . فلا يخفي إنّ إنجلترا الجزائر اليونانية المعروفة بالجزائر الايونية وهي أربعون جزيرة ، سبع كبار والبواقي صغار . وبقيت مستولية عليها من سنة 1809 إلى سنة 1864 . ولمّا رأت أنّ أهاليها راغبون ميَّالون إلى الانضمام إلى قومهم اليونان ووجدت فرصة مناسبة لذلك سنة 1864 عقدت لهم معاهدة وضمتهم إلى بلاد اليونان في تلك السنة . وتمَّ ذلك بسمعي جلاد ستون وبمشيئة إنجلترا ورغبتها بعد ما احتلت تلك الجزائر 55 عاماً ، فتأمل ولا يخفي أيضاً إنّ إنجلترا احتلت جزيرة هليغولند في البحر الشمالي سنة 1807 ثمّ تركتها لألمانيا بإرادتها واختيارها في العام الماضي عند تعيين مناطق نفوذ الدول في إفريقيا فخرجت منها بعد ما احتلتها 84 عاماً . ولا يخفي أيضاً إنّ إنجلترا حاربت الأفغان سنة 1879 واحتلت كابول وقندهار عنوة وبقيت فيهما مدة ثمّ أجلت عنهما بإرادتها واختيارها . ولا يخفي أيضاً إنّ إنجلترا حملت على الحبشة بعشرة آلاف جندي من جنود الهند في
ضياء الخافقين — صفحة 121
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢١