تضله الأوهام عن محجة الهدى ، وقبل الشروع في الرّد عليه ، نذكر اعتراضاً آخر بعض الأصدقاء وهو أن المقصود من سياسة فرنسا في هذا القطر تقصير زمان الاحتلال في مصر حتّى لا يكون احتلالًا دائماً فسياستها المصرية والواجب أن نؤيدها بما نكتبه في جريدتنا كما يؤيدها غيرنا وسنرد على هذا الاعتراض الثاني بعد الفراغ من الرد على الاعتراض الأول . أما من حيث الاحتلال فنحن واثقون أنّه لا يكون احتلالًا دائماً وأنه لابد للمحتلين من ترك هذه الديار آجلًا إن لم يكن عاجلًا وأنهم يبقونها لأهلها مصداقاً لقولهم إن مصر للمصريين ولا ينسخون سيادة الدولة العلية عنها على مرّ السنين . واعتقادنا هذا مؤيد بأدلة عقلية ونقليّة وأقيسة تمثيلة مبنيّة على شواهد تاريخية لا يشوبها ريب ولا مين . فأولًا : إن إنجلترا تعهدت بالجلاء عن هذا تعهداً ثابتاً محفوظاً عليها وأيدت هذا التعهد بوعود وعدتها وزارة الأحرار وكرّرتها ثمّ أعادتها وزارة المحافظين مراراً ولم تقل قولًا ينكث عهودها ولم تأت فعلا يخلف وعودها . ولم نعهد أنّ إنجلترا نكثت عهداً مثل هذا العهد أو أخلفت وعدّا مثل هذا الوعد من يوم ابتداء دولتها إلى هذا اليوم الذي أصبحت فيه من أعظم الدول شأنا وأوسعها سلطاناً . أفمن الصواب والعقل أن ننزل الظن منزلة اليقين فنكذب تلك الوعود ونستخف بهاتيك العهود لمجرّد أن الاحتلال قد طال عمّا كان يقدّر له في بادئ الأمر أو لسبب أنّ إنجلترا تأبي اليوم أن تعين له حدّا . وثانيّاً : إن إنجلترا جاءتنا بأقطع دليل على أنها لا تبغي ضم هذه البلاد إلى أملاكها ولا إبطال سيادة الباب العالي عنها وقد كان ذلك في العام الماضي حين تعهّدت مصر بدفع خراج الدولة العليّة فائدة للدين العثماني الذي حوّلته الدولة العليّة حتّى يستهلك ذلك الدين بعد ستين سنة . وبعبارة أخرى إن مصر تعهدت تعهداً جديداً بدفع الخراج للدولة العلية مدّة ستين سنة أخرى . وكفى بذلك دليلًا على أن سيادة الدولة العليّة باقية على هذا القطر ستين سنة
ضياء الخافقين — صفحة 119
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٩