ذكرت لا تزال بعيدة عن الكمال ولكن المثابرة على النظام الجاري تؤدي إلى إتمامها كلّها بعون اللَّه . على أنه لابدّ من أمر آخر معها وهو زيادة الاعتناء بالتعليم وتعميم المعارف ولا نقصد بذلك لوم القائمين بأعباء المعارف إذهم على قدر بساطهم يمدون أرجلهم ، ولكن لاغنى لهم عن زيادة كثيرة في المال والرجال حتى يهذَّب أحداثنا التهذيب الذي يصيرهم رجالًا يديرون مهام الأمة ويرفعون راية الوطن . وهذا ما علقت به الآمال في ظل أميرنا الظليل الذي ربي في مهد المعارف واغتذى بألبان العلم منذ نعومة أظفاره فحكى الكهول علماً وإدراكاً وتولى المهام بالحزم والحكمة . ورُبّ قائل يقول إن النظام حسن ولا شكوى لنا منه وإنما الشكوى من المحتلين الذين أعانوا عليه فنحن نشكو منه ونندد عليه ليس كرهاً له في الحقيقة ولا لأن لدينا نظاماً أصلح منه ، بل لأن المحتلين احتلوا بلادنا فأخمدوا الغيرة الوطنيّة فينا وأماتوا الحياة الأدبية والعواطف الاستقلالية منّا وأخربوا قلاعنا وحصوننا وما قصدهم إلّاامتلاك بلادنا وإبطال سيادة الدولة العليّة علينا . فالاستقلال أحب إلينا وأعزّ لدينا من كل ما سواه ولا خير في المنافع التي تمت لنا أيام الاحتلال إن كان من ورائها فقد الاستقلال فلهذا ننكر الإصلاح ولو كان مشهوراً ونذم نفعه ولو كان ممدوحاً حتى يمحي كل أثر للاحتلال . سياسة السخافة وسياسة الحصافةإن المارقين يصرّون على إنكار معظم الإصلاحات التي نالتها مصر أيام الاحتلال ويذمون الحسنات التي تأتت لها منه ، ليس إنكاراً لها في الحقيقة بل كرهاً منهم للاحتلال وتوهماً بأنهم إذا اعترفوا بتلك الإصلاحات ومدحوا تلك الحسنات لزمهم الاعتراف بوجوب دوام الاحتلال وهان عليهم فقد الوطن والاستقلال . فهم لا يفرقون بين الإصلاحات التي تمت على يد المحتلين وبين مسألة دوام الاحتلال مع أن الفرق بينهما كالبعد بين الثريّا والثرى ، والتسليم بأحد الأمرين لا يستلزم التسليم بالآخر بوجه من الوجوه . فالخلط بينهما خلط في التمييز وخطأ في الإدراك ،
ضياء الخافقين — صفحة 113
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٣