ولذلك كانت السياسة المبنية على هذا الخلط سياسة سخيفة يضحك منها ذو والحجى والحصافة . والاعتراف بأنّ الاحتلال عاد على هذه البلاد بالنفع والإصلاح هو اعتراف كل الذين لا مأربّ لهم في إخفاء الحق وإنكار الواقع ولكن شتان بين هذا الاعتراف والتسليم بوجوب دوام الاحتلال . فجمهور الأهالي الذين يعترفون بالمنافع التي أحرزتها مصر في زمان الاحتلال والذين يسعون في إفادة البلاد منه على قدر الإمكان لا يوافقون على دوام الاحتلال إلى ما لا نهاية لهُ ، ونحن نجاهر بذلك في مقدمتهم جميعاً . ولو بحثت عن الأسباب التي تحملنا وتحمل غيرنا علي ذلك لوجدتها مختلفة باختلاف المذاهب والمصالح ، ففريق يقول إن العالم ميدان جهاد وكفاح فالسابقون السابقون وإذا طال احتلال الإنجليز لهذه الديار إلى ماشاءاللَّه كثر النازحون منهم إلى بلادنا والمستوطنون فيها المستثمرون لأموالهم ، بنتاجها وخيراتها . والإنجليز قوم يفوقوننا نحن الشرقيين علماً وتهذيباً وهمة وعزيمة ومالا وإقداما فإذا جاورونا سبقونا إلى خيرات بلادنا فلا يطول الزمان حتى يصبحوا هم الأغنيا ونمسي نحن الفقراء ، وهم السادة والأمراء ونحن الصعاليك الأذلاء طبقاً لمقتضى السنة الطبيعية وهي أنه حيث تناظر جنسان أو نوعان أو صنفان وتزاحما على بقعة واحدة ابتلغ أقواهما أضعفهما أو أباده ولا شاه . فإذا جاءنا الإنجليز ونحن على ما نحن عليه من الضعف والقصور وقلة الاستعداد عاد الأمر علينا وبالًا في آخر الأيّام ، ولذلك نودُّ أن لا يكون احتلالًا دائماً كما نودُّ أنهم لا يجلون عن بلادنا إلّاو نحن بمأمن من احتلال غيرهم لها . ولعلّ هذا هو السبب الذي يلتفت إليه كلّ الذين ينظرون إلى بعيد ويقدرون لعواقب الأمور ويعتمدون على حكم العقل . وفريق يقولون إنّ بلاد مصر بلاد إسلاميّة فلا يهون علينا أن تكون ملكاً لدولة غير إسلامية . نعم إن الفوائد التي حصلت لنا من الاحتلال كثيرة ولكنّا لا نودُّ أن يكون احتلالًا دائماً لئلا تخرج البلاد من قبضه المسلمين إلى قبضة سواهم . وهذا عذر يقبله المنصفون ولو لم يكن لهم فيه مصلحة خصوصية . وقد حادثنا كثيرين من
ضياء الخافقين — صفحة 114
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٤