أئمة الأمة وعلمائها الأعلام وأعيانها العقلاء في هذا الشأن فوقفنا لهم على أقوال في غاية الحكمة والسداد ولا تطابق آراء العامة ورغائبهم في شيء من هذا القبيل . وفريق يقول إننا عثمانيون ومنيتنا ومصلحتنا هما أن تبقي سيادة الدولة العليّة مستحكمة على الديّار المصرية فإذا دام الاحتلال وتقررت سيادة الإنجليز على هذه الديار بطلت سيادة الدولة العلية ، ولذلك لا نوافق على دوام الاحتلال ولو كنّا لا ننكر المنافع والإصلاحات التي تمت لهذا القطر في أيّامه . وهذا القول أيضاً قول مقبول ومحمود لأنّه صادر عن إخلاص وولاء . وفريق يقول إننا مصريون ومنيتنا أن تكون مصر للمصريين فإذا دام الاحتلال حرمنا بلادنا وعدمنا الاستقلال . وهو قول يدلّ على حمية ومحبة وطنية وهو في الحقيقة فرع من القول السابق ذكره . فهذه أشهر الأسباب الّتي توجب علينا نحن العثمانيين رعية الحكومة المصريّة عدم الموافقة على دوام الاحتلال البريطاني لهذا الديار ، وهي أسباب يقبلها الإنجليز أنفسهم ويسلّم بصحتها ذو والألباب . ومهما قلنا وأعددناها فلا يسع منصفاً أن ينكر تكرارها علينا ، ولمّا يعينبا الناس جميعاً إذا سكتنا عن ذكره هذه الأسباب الحقيقة وتبشنا بالباطل وأنكرنا الحق الصريح ؟ ! فاتضح ممّا تقدَّم أن الإنسان يمكن أن يمدح كل ماتَّم من الإصلاح في زمان الاحتلال وأن يعترف بكل الفوائد الّتي استفادتها مصر منه في الماضي والّتي تستفيدها في المستقبل وهو مع ذلك أشد الناس معارضة لدوام الاحتلال في الديار . وعندنا أنه إذا رام المصريون تقصير زمان الاحتلال في بلادهم وجب أن يجروا على هذه الخطة وأن يقابلوا الإصلاحات الّتي يجربها المحتلون بالقبول والإقبال عليها ويتشبهوا بهم في السعي والاجتهاد والسهر على مصالحهم وترقية بلادهم . فهذه هي الوسائط الّتي تقصير زمان الاحتلال وتعجل يوم الجلاء وهذه هي الخطّة الّتي جري عليها المغفور له الخديوي الماضي والّتي جاهر سمو الخديوي الحالي بالجري عليها مع رجال حكومته ، علمّا منهم بأنها ترقي البلاد في مراقي الإصلاح والنجاج
ضياء الخافقين — صفحة 115
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٥