تثبيتاً للحقوق ، واستتباباً للراحة ، على مقتضى ما أحاطوا به من أحوال رعاياهم . ولكنهم ، لعدم تدبرهم فيالعواقب ، وعدم تبصرهم بأن افتقار انتظام أحوال العباد ، وسير أمورهم على نهج العدل ، ونيلهم غاية بغيتهم من مساعيهم إلى العلة المبقية كافتقارهم إلى العلة الموجدة ، لايواظبون على أعمالهم هذه ، ولاينظرون إليها نظرةً ثانية بل ينبذونها ظهرياً ، ويتركونها نسيا منسيا ، فيتطرق إليها الخلل ، ويعتريها الفساد ، ويسري إليها الانحلال ، لما جُبِل عليه الانسان من الحرص والشَرَه ، والميل إلى الجور والاعتداء ، المستلزمة لمخالفة القانون فيقع كُلُّ في العطب والنصب والشقاء والعناء ، ويستولي عليهم الفقر والفاقة ويصيرون كأرض موظوبه [ 1 ] ، بتوالي تطاول أيدي جائريهم ، وتعاقب اعتساف معتديهم . ويشبه أن تكون حكومة المأمون وبعض سلاجقة إيران من أفراد هذا القسم . القسم الثاني : الحكومة المتنطسة [ 2 ] . وأساطينها الحكماء . تضارع الأب المتدبر المتبصر . لايبرح ساعيا في اعداد الأسباب الموجبة لسعادة أبنائه زمن حياتهم ، وتهيئة معداتها القريبة والبعيدة ، ولا يتجافى آناً ما عن مواظبة دقائق حركاتهم وسكناتهم ، وتفقد شؤونهم واستكناه أحوالهم ، ولايتقاعد لمحة عن تأييدهم في سيرهم بآرائه السديدة وأفكاره الصائبة ، خوفا من التواني والكسل والاهمال والفشل ، وخشية من عروض الموانع التي تصدهم عن البلوغ للغاية . فنجد هؤلاء الحكماء الأساطين يعلمون أن قوام المملكة ، وحياة الرعايا ، بالزراعة والصناعة والتجارة ، ويعرفون أن كمال هذه الأمور واتقانها لا يكونان إلا بأمرين ، أحدهما وهو في الواقع علتهما الأولى : العلوم الحقيقية النافعة والفنون المفيدة ، التي لا يمكن حصولها ، والفوز بها إلا بمدارس منتظمة ، ومدرسين ماهرين ، ومتخلقين بأخلاق فاضلة ، شفوقين على المتعلمين شفقتهم على أبنائهم ، وثانيهما إعداد آلات الزراعة وأدوات الصناعة ، وتسهيل طرق التجارة البرية والبحرية . ويفقهون أن حفظ أساس المدنية ، وصون نظام
هامش
[ 1 ] . هي التي رعيت مرارا حتى لم يبق فيها كلأ ولا نبات ( هامش المنار )
[ 2 ] . نطس : استقصى الأمر ودقق فيه النظر ، وكذلك : تنطس . والمعنى هنا : حكومة الخبراء .