تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
كذلك حال هؤلاء الدعائم الرحماء الجهلاء يطلبون من رعاياهم السعي في المكاسب والصنائع ، والتمسك بالتجارة والفلاحة ، والتشبث بالعلوم والمعارف ، ويغرونهم على مجاراة الجيران ، ومباراة أهل العرفان ، والتعلق بأسباب النجاح والفلاح ، بلا تشييد المدارس المفيدة ، وتأسيس المكاتب النافعة ، وتسهيل طرق المعاملات ، وبث فنون الزراعة ، جهلًا منهم . ويريدون من أولئك الرعايا التباعد عن الشقاق والنفاق ، والاحتراز عن الاعتداء والاعتصاب ، والتجنب عن الفساد والعناد ، والحَيْفِ والميل في الحقوق ، والاحتراس عن كل ما يخل بالراحة العمومية ، بلاتقنين ناموس عادل ، حافظ للحقوق معين للحدود ، فاصل للقضايا ، قاطع لما يطرأ من النوازل ، جامع لجميع ما يحتاج اليه الانسان في اجتماعاته المدنية . ومن أفراد هذه الحكومة سلطنة بعض السلاطين المجبولين على الشفقة المطبوعين على الرأفة ، الذين كانوا يبكون على سوء أحوال رعيتهم مع جهلهم بما يصلح شأنها . والسِّيَرُ بذلك ناطقة . القسم الثاني منها : الحكومة العالمة . وهي تنقسم إلى قسمين : القسم الأول : الحكومة الأفينة . وأقانيمها تضاهي الأب العالم المأفون [ 1 ] . فكما أن شفقة هذا الأب تسوقه إلى العناية بأحوال أبنائه ، وتقسره عليها ، وأن علمه بأسباب الترف والثروة وعلل المعيشة الهنيئة المرضية يقوده إلى الاهتمام بتأديبهم بأحسن الآداب ، وتعليمهم الفنون ، وتمرينهم علىالحرف ، ويجبره على أن يبين لهم قوانين العشرة ، ويحدد لهم حقوقهم . ولكن بعد ذلك يتركهم وشأنهم ، لضعف رأيه ، وقصر نظره ، وجهله بأن ملازمة الشبان للآداب واجتنائهم ثمار معارفهم التي اكتسبوها ، واجتهادهم في المكاسب لا تكون الا بقوة حافظة ، مالم تحنكهم التجارب لما جُبِلوا عليه من الميل إلى الشهوات ، والانعكاف على البطالة ، والتقاعد عن الفضائل ، فيهوون في هاوية التعاسة ، وتذهب مساعيه سدى . كذلك هؤلاءالأقانيم [ 2 ] يعمرون بيوت‌العلم ، ويشيدون دور المعارف ، وينشئون المعامل ، ويوسعون نطاق التجارة ، ويواظبون على تشريع سياسة مدنية ،
هامش
[ 1 ] . الافين : ناقص‌العقل . والمأفون : ناقص‌العقل أيضا ، والاثنان بمعنى واحد . [ 2 ] . الأقانيم : الجواهر أو الأصول ، ومفردها الأقنوم : الجوهر والأصل .