الاكتفاء بما ملكته يداه ، وغرس فيه بغض الشرائع والقوانين ، حينما يراها سدا يمنعه من سلوك سبيل الغدر ، وحاجزا يردعه عن مقتضيات الشره ، وغلَّا يكف يديه عن التطاول . وإنهم يفهمون أن كل ما يقع في العالم الانساني من المرض والصحة والفقر والغنى والنَصَب [ 1 ] والراحة ، بل كل ما يقتضي الشقاء والسعادة ، ويوجب الصلاح والفساد ، لابد وأن يكون لإرادة الانسان وحركاته الاختيارية فيه دخل تام ، ويدركون أن الانسان ما دام على هذه السجية والغريزة فهو كمريض تنازعته أمراض خطرة مختلفة ، لا ينجو منها الا بتمريض طبيب ماهر يعرف العلل والعلاج ، ويتفقده آناء الليل وأطراف النهار ، فيهتمون حكمةً وشفقة بتتبع أحوال الرعايا مثل ذلك الطبيب الماهر ، ولايبرحون عن موازنة أعمالهم وأفعالهم وحركاتهم ، ولاينفكون عن مقايسة آرائهم وأخلاقهم ، ولايفْتُرون عن تعديل ثروتهم وغنائهم ، وتقويم علومهم ومعارفهم وتجارتهم وزراعتهم ، وإحصاء عددهم ، وتعداد أحيائهم وأمواتهم ، ولا يتوانون عن مقابلة الصادر والوارد في ممالكهم ، والمعادلة بين قوة حكومتهم واقتدارها واقتدار الغير وقوته ، لكي يقتدروا على تدارك مصالح البلاد قبل تمكن الفساد ، ويقدروا على جبر الكسر وسدالثغر ، ورَفْو الخَرْق ، وإزالة جراثيم الرزايا والمصائب ، وإبادة أسباب الخلل والمصاعب . وإذا لم يمكنهم القيام باستقصاء دقائق التعديل والتقويم ، وجزئيات الموازنة والمقايسة مباشرة ، انتخبوا رجالا يقظين عارفين بأحوال الدول وقواها ، متبصرين بشؤون الممالك وأسباب سعادتها وشقائها ، عالمين بفنون التجارة والزراعة والصناعة ولوازمها ، مهندسين محاسبين لأداء هذه المصالح ، وتسجيلها في السجلات بغاية الدقة والاتقان ، وعرض كلياتها على هؤلاء الولاة الحكماء ، مع بيان موارد النقص والخلل وايضاح أسبابها . وغير خاف أن تسجيل المعادلات وحفظ الموازنات للدول ألزم من تقييد التاجر معاملاته في دفاتره اليومية ، فإنه لا يلزم من إهمال في التقييد والتثبيت ، إلا أن يضيع رأس ماله على جهل منه ، ويصبح مفلسا ، وهذا ضرر خاص به . وأما إهمال الدول في حفظ المعاملات وتسجيل الموازنات فيوجب
هامش
[ 1 ] . النصب - بفتح النون والصاد : التعب والاعياء .