اضمحلالهم وإبادتهم بالكلية ، ومحق حياتهم بالمرة [ 1 ] بل يستبشرون بذلك كأنما هم أعداؤهم ، ولا يشعرون أنهم قواد السلطة وأساسها . ومن أفراد هذا القسم الحكومة الجنكيزية [ 2 ] والتيمورية وغيرهما من حكومات التتر والبرابرة كما تشهد بذلك التواريخ . القسم الثاني : الحكومة الظالمة . وأولياء هذه الحكومة تماثل الأخساء الذين يستعبدون أناسا خلقوا أحرارا ظلما واعتداء . فكما أنهم يكلفون عبيدهم بأعمال شاقة وأفعال متعبة ، ويجبرونهم على نقر الأحجار ، وخوض البحار ، وفلق الصخور ، وقلع الجبال ، وطي المفاوز وجوب البلاد ، في صرَّه الشتاء وهجيرة الصيف ، ويؤلمون أبدانهم بالسياط إذا لجأوا آناً ما إلى الراحة التي تجذبهم الطبيعة إليها ، ويحجبونهم بأشغالهم المستغرقة لأيام حياة هؤلاء المظلومين عن مزايا جواهر عقولهم المقدسة ، حيث لا يجدون فرصة من دهرهم للنظر في الآفاق ، وفي أنفسهم ، كي يرتقوا من الاحساس البهيمي إلى عرش الإدراك الإنساني ، ويشاركوا أبناء جنسهم في اللذائذ الروحية ، ويجتنوا ثمار عقولهم ليؤازروهم بنتائجها من الصنائع البديعية ، والمخترعات الرفيعة ، فيسعدوا مع السعداء . ومع ذلك يحرسون حياتهم ، ويحرصونعلى استبقائها استيفاءً للخدمة منهم بتقديم قوت من أردأ ما يُقْتاتُ به لسد الرمق ، وثياب خشنة رثة لتحفظهم من أظفار العواصف وبراثن القواصف . فلا يكون حالهم مع ساداتهم إلّا كحال البهائم والأنعام الأهلية ، لايعيشون إلا لغيرهم ، ولا يتحركون إلا برضاه ، بل بمنزلة آلةٍ غير شاعرة بأيدي مُستعبديهم يستعملونهم كما يشاءون . كذلك هؤلاء الولاة مع رعاياهم ، فإن الرعايا لا يزالون يتحملون المتاعب والأوصاب ، ويكدون أيام سنِيِّهم ، ويسهرون لياليها ، مشتغلين بلا فتور بالغرس والحرث ، والحصد والدرس ، والندف والحلج ، والغزل والنسج ، مهتمين بالحدادة
هامش
[ 1 ] . قيل لحاكم شرقي أن رعيتك يموتون في عمل السخرة الفلاني الذي كلفتهم به فلو رفقت بهم فقال : « وهل نحن استلمناهم بالعدد فنخشى ان ينقصوا » ( هامش المنار )
[ 2 ] . وضع رشيد رضا « الحكومة الانكليزية » وحاول أن يشرح ذلك في الهامش ( المصدر السابق ص 580 ) وبالرجوع إلى الأصل تبين أن الأفغاني يقصد الحكومة الجنكيزية نسبة إلى جنكيزخان .