والنجارة ، والملاحة والتجارة ، ساعين في حفر الأنهر وإنْباع المياه ، وإنشاء الجداول والجسور ، متكبدين آلام التغرب في الحر المبيد والبرد المميت ، كي ينالوا ( أي الحكام ) أرغد العيش بطيب المطعم والمشرب والملبس والمسكن ، ويحوزوا الراحة والرفاهية والحظ والسعادة . وهؤلاء الظلمة لا يفترون عن السعي في سلب ما بأيديهمجبراً ، وغصب ثمار مكاسبهم وفوائد متاعبهم رغما ، ولا يدعون لهم مما اكتسبوه بكدِّيمينهم ، وعرق جبينهم ، سوى ما تقوم به حياتهم الدنيئة ، حتى تراهم بعد اقتحام هذه الأخطار وتحمل تلك المصاعب ، لايقتاتون إلّا بكسرات خبز رديئة ناشفة ، يبلونها بدموعهم المنسكبة من جور وُلاتِهم الفاتكين ، ولايسترون أبدانهم الا بخرق رثة مرقشة بدمائهم السائلة من سياط حكامهم الجائرين . ولايسكنون إلا في الأكنَّة المنخفضة ، والاخصاص الخسيسة ، كأنهم أنعام حرمتهم الطبيعة من المزايا الانسانية ، ولا يشاهدون الا بوجوه مغبرة مقشرة ، وأبدان مقشفة معفرة . وتدوم عليهم هذه الحال الرديئة التي نشأوا عليها ، والمعيشة الدنيئة التي اعتادوها ، حتى يقنعوا بها ولا يتعلقوا سواها . بل يتنزلون بسوء تصرف هؤلاء الولاة ممامنحوه من فضيلة العقل إلى رتبة البهيمية ، ولايحسون بمعيشة أكمل مما هم فيه ولايتألمون إلا بالآلام الجسمانية . ومن أقسام هذه الحكومة غالب حكومات الشرقيين في الأزمان الغابرة والأوقات الحاضرة ، وكذلك أكثر حكومات الغربيين في الدهور الماضية ، ومنها أيضا الحكومة الانكليزية الآن في البلاد الهندية . القسم الثالث : الحكومة الرحيمة وهي تنقسم إلى قسمين : القسم الأول منها الحكومة الجاهلة . ودعائم هذه الحكومة تحاكي الأب الرحيم الجاهل . فكما أنه يحث أبناءه على اقتناء الأموال ، واكتساب الثروة ، واستحصال السعادة ، والاقتصاد في المعيشة ، بدون أن يبين طرقها ، ويمهد لهم سبلها ، لعدم علمه بها ، ويدعوهم رأفةً إلى المجاملة والموادعة ، ورفع الشقاق والنزاع من بينهم ، بغير أن يحدد لهم الواجبات ، ويقدر الحدود اللازمةللادارة المنزلية [ 1 ] لقصور إدراكه عنها ، فكأنه يدعوهم إلى أمر مجهول مطلق لا يهتدون اليه سبيلا .
هامش
[ 1 ] . يستخدم الأفغاني هنا - وبعد ذلك - مصطلح « الإدارة المنزلية » بالمعنى القديم الذي وضعه فلاسفة الإغريق لما يعرف اليوم باسم « الاقتصاد »