تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
بها . وإن المسوسين بها أعلى شأنا وأرفع مكانة من سائر أفراد الانسان . بل هم‌الذين يليق بهم أن يدخلوا تحت هذا الاسم دون من عداهم ، فإن الانسان الحقيقي هو الذي لا يحكم عليه إلا القانون الحق المؤسس على دعائم العدل ، الذي رضيه لنفسه يحدد به حركاته وسكناته ومعاملاته مع غيره ، على وجه يصعد به إلى أوج السعادة الحقيقية ، وتصده عن أن يرقم على صفحات الأوراق ما يكشف عن ماهية الحكومة المقيدة ، ويوضح عن فوائدها وثمراتها ، ويبين أن المحكومين بها قد هزتهم الفطرة الانسانية فنبهتهم للخروج من حضيض البهيمية ، والترقي إلى أول درجات الكمال ، والقاء أوزار ما تكلفهمِ به الحكومة المطلقة ، وتطَلُّب مشاركة أولى أمرهم في آرائهم وكبح شَرَه النهمين منهم الطالبين للاستئثار بالسعادة دون غيرهم . ولهذا أضربنا صَفْحاً عن ذكرها ، وأردنا أن نذكر في مقالنا هذا الحكومة الاستبدادية بأقسامها ، فنقول : إن الحكومة الاستبدادية باعتبار عناصرها الذاتية ، وأقانيمها الحقيقية التي هي عبارة عن أمير أو سلطان ، ووزراء ، ومأموري إدارة وجباية ، تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : الحكومة القاسية وهي التي تكون أركانها ، مع اتسامهم بسمة الامارة والوزارة والإدارة والجباية ، شبيهة بقطاع الطريق . فكما أن قاطع الطريق يقطع طرق السابلة ، ويسلبهم أموالهم ومؤنهم وثيابهم التي تقيهم الحر والبرد وسائر مواد حياتهم ، ويتركهم في البوادي والقفار حفاة عراة جياعا تقطعت بهم حبال الوسائل ، ولايلاحظ أن فيهم الهَرِمَ والصغير والعاجز والضعيف الذين لا يستطيعون التخلص من المهالك ، ولايقتدرون النجاة ، ولا يبالي بموتهم وهلاكهم عن آخرهم ، ولا تأخذه في ذلك الشفقة والرحمة . كذلك هؤلاء الأركان يغتصبون ضياع رعاياهم وعقاراتهم ، ويستولون على مساكنهم وبساتينهم ، وينتزعون بالضرب والحبس والكي وغيرها من أنواع العذاب ما بأيديهم من ثمرات اكتسابهم ، ويدعونهم في مخالب المصائب ، معرضين للأسقام والآلام ، وأهدافا لسهام البلايا ، التي ترميهم بها عواصف الرياح الزمهريرية والسمومية ، ولا يخشون
الرسائل والمقالات — صفحة 58 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده