4 - الحكومة الاستبدادية
إن طول مكث الشرقين تحت نير استبداد المستبدين ، الذين كان اختلاف أهوائهم الناشئ عن تضاد طبائعهم ، وسوء تربيتهم ، مع عدم وجود رادع يردعهم ، ومانع يمنعم ، وقوة خارجية تصادمهم في سيرهم ، سبباً أوجب التطاول على رعاياهم وسلب حقوقهم ، بل اقتضى التصرف في غرائزهم وسجاياهم ، والتغير في فطرتهم الانسانية ، حتى كادوا أن لا يميزوا بين الحسن والقبيح ، والضار والنافع ، وأوشكوا أن لا يعرفوا أنفسهم ، وما انطوت عليه من القوى المقدسة ، والقدرة الكاملة ، والسلطة المُطْلقة على عالم الطبيعة والعقل الفعال الذي تخضع لديه البسائط والمركبات ، ويطيع أمره النافذ جميع المواليد من الحيوان والنبات . وإن امتداد زمن توغلهم في الخرافات التي تزيل البصيرة ، وتستوجب المحو التام والذهول المستغرق ، بل تستدعي التنزل إلى المرتبة الحيوانية ، ومداومتهم من أحقاب متتالية على معارضة العلوم الحقيقية التي تكشف عن حقيقة الانسان ، وتعلمه بواجباته وما يلزمه في معاشه ، وتبين له الأسباب الموجبة للخلل في الهيئة الاجتماعية ، وتمكنه من دفعها ، والسعي في إطفاء نورها بما ورثوه عن آبائهم من سفه القول وسخف الرأي والجدل في اضمحلال كتبها وضياع آثارها واستبدالها بما أوقعهم في ظلمات لا يهتدون إلى الخروج منها أبدا . [ 1 ] كل هذه الأسباب تمنع القلم عن أن يجري على قرطاس بيد شرقي في البلاد الشرقية بذكر الحكومة الجمهورية وبيان حقيقتها ومزاياها وسعادة ذويها الفائزين
هامش
[ 1 ] . استعمل « استبدل » هنا بما هوالشائع عندالمتأخرين عامة . والذي في القرآن العزيز أن الباء بعد « استبدل » و « تبدل » تدخل على المبدل منه لاعلى البدل . فليتنبه له الكتاب . ( هامش المنار )