تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
نعامل رعايانا إلَّا كمعاملة الآباء للأبناء بدون تفرقة بين مذهب ومذهب ، وجنس وجنس . وأوضح دليل على ذلك بقاؤهم على مذهبهم ، حافظين للغاتهم وجنسيتهم ، ولو أننا كنا نفرق بين المذاهب والأجناس كما تدَّعي لحملناهم على رفض مذاهبهم ، وتغيير لغاتهم ، وكنا قادرين على ذلك في وقت لم يكن لك فيه اسم ولا رسم ، بل لم تكن شيئا مذكورا . وكذلك إمبراطور الفرنساويين بما ثبت عنده من‌البراهين البينة على طمع الجرمانيين وحرصهم وشرههم يرى لنفسه الحق في افتتاح الحرب عليهم . وإمبراطور الألمانيين بما تحقق لديه من كِبْر الفرنساويين وعُجْبِهم ، ومجاوزتهم الحد في أطوارهم ، يحسب أن من الواجب عليه أن يضع عليهم غرامة باهظة ، ويتسلط على قطعة واسعة من بلادهم لتذليل نفوسهم وإضعاف قوتهم ، ليدفع بذلك شرهم ، ويأمن على نفسه وأمته من تعدِّيهم . ودقِّق النظر في شؤون العقلاء والحكماء ، وذوي الآراء والمذاهب الذين يعتقدون أن الحق واحد في نفس الأمر والواقع ، لا يتعدد ، كيف أنهم بعد إتفافهم على أن القواعد المنطقية هي ميزان النظر ، وبها يعرف صحيح الفكر من فاسده ، قد انتهج كل واحد منهم منهجا واتخذ مشربا يناقض به الآخر ، ويعتقد أن دلائله المؤدية هي المنطبقة على ذلك الميزان وأن لا انطباق لدلائل غيره عليه . وأرْجِعْ البصر إلى أحوال السارقين والقاتلين ونحوهم من مرتكبي الفواحش والشناعات في العالم الانساني ترى أنه لا يصدر عمل من هذه الأعمال المجمع على قبحها من فاعلها إلا بسبب هذه الخُلَّة الذاتية ، أعني اعتقاده كمال نفسه والنظر إلى أعماله بعين‌الرضى - ضرورة أن الفعل إنما يكون بعد الإرادة ، التي لا تكون إلا بعد ترجيح الفعل على الترك ورؤيته خيرا منه ، وهو عين‌الرضى به . ومن غرائب آثار هذه الخلة إبرازها لحقيقة واحدة بصور مختلفة في نظر شخص واحد على اختلاف مراتبه وشؤونه ، فإنك ترى زيدا من الناس مثلا وهو في رتبة دانية رؤوفاً بالفقراء ، رحيما بالضعفاء ، شفيقا علىالمظلومين ، ذاماً للبخل وللشح ، مادحا للكرم والسخاء ، مهتما بقضاء حوائج ذوي الحاجات ، مدعيا للعفة ، كارهاً