وأما المدارس التي تَمُنِّين علينا بتأسيسها فلم تكن لمصلحة تعود علينا ، إذْ لو كانت لذلك لاحتوت علىالعلوم والفنون والصنائع ، مع أنها لم تنشأ إلّا لتعليم اللغة الإنجليزية المتعجرفة الخشنة لأبناء اللغة ( السنسكريتية ) ، اللغة المقدسة السماوية ، حتى تستميلهم في إدارة مصالحك في تلك الممالك الشاسعة . واما دعواك رفع ظلم النوابين وقهر الراجوات عنا ، فممَّا يضحك الثكلى ، ويبكيالمستيئس الذي جاءته البشرى ، فإن الظلم إذ ذاك كان قاصرا علىالبعض ، وظلمك الآن قد عمَّ وطَمَّ ، وإن الثروة والأبهة والجلالة والشأن التي يزدهي بها الآن أهالي بريتانيا كان المتمتع بها وقتئذ أبناء وطننا ، إذ النوابون والراجوات وغيرهم منالأمراء والكبراء ، وحاشيتهم ، وخاصتهم ، كانوا من أبنائنا ومشاركينا في الجنسية . وكنا نتيه بهم فخارا على سائر الممالك والأقطار ، فكيف بك أن تمني علينا بما مَنَنْت زوراً ومَيْناً [ 1 ] . وإنَّا لانراك أيتها المتغلبة علينا إلا كالعَلَق [ 2 ] مصصت دماءنا ، بل كالسَلَّاخ سلخت جلودنا لتتخذيها أحذية لنعال الريطانيين . على أنك لم تكتفي بهذا وذاك بل تريدين أن تستعملي عظامنا النخرة لتصفية السكَّر في معاملك . وتَبصَّر في شأن الملوك بعضها مع بعض فإن كل واحد منهم يرى بما أقيم منالحجج القاطعة أنه على صراط العدل وحَدِّ الاستقامة لايُقْدمُ على محاربة ، ولا يحجم عنها ، ولا يضع غرامة ، أو يأخذ من ممالك الآخر شيئا إلَّا وهو في ذلك محق عادل ، مثلًا : ملكالروسيين [ 3 ] يحتج لحرب العثمانيين بأن أنين النصارى من رعاياهم قد ذهب براحته ، وتجافى به عن مضجعه وحرك فيه حاسة الشفقة حتى دعته الرحمة الانسانية للأخذ بناصرهم واستنقاذهم من أيديهم ، وتحريرهم من رق عبوديتهم ، من . . . والعثمانيون يدحضون حجته قائلين ( أولا ) لو كنت ممن تحركهم الشفقة والرحمة لكان الأحق بنيلها رعاياك المتحدون معك في المذهب من أهالي ( لهستان [ 4 ] ) ، فما دعواك هذه الا محض الرياء والمواربة . و ( ثانياً ) إننا لا
هامش
[ 1 ] . المين : الكذب .
[ 2 ] . العلق : نوع من الديدان مصاص للدماء يعيش فيالماء الاسن .
[ 3 ] . يشير إلى قيصر روسيا في حربه مع تركيا التي اشتعلت عام 1877 .
[ 4 ] . بولنده .