تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
جميع أفكار العالم ، ويقصر عن إدراك غايته مدى أنظارهم ، مع أنه أعمى البصر والبصيرة ، لا يرى ما تحت قدميه - مُقَدِّما للمفضول على الفاضل ، مستندا إلى سلامة قلب ذلك المفضول ولين عريكته وطلاقة وجهه . أي أنه ( يهزُّ له القاوون ) ، وفي رواية ( يمسح له جوخ ) وأنه ( سطري لجنابه العالي ) - رافعا إلى أسنى المراتب من لا يليق لأدناها ، حاسبا نفسه طبيبا روحانيا خبيرا بأخلاق العالم وطبائعهم ، حكيما لا ينظر في أعماله إلا إلى المصالح العامة - غضوبا سريع‌العقوبة يحسبها سياسة وتدبيرا مَدَنياً - سفيها بذيئا ، يرى أن الناس لا يستحقون سوى قبيح فعله وفحش قوله ، ولا يدركون مَزِيَّةَ الآداب ، ولا يقدرون الأديب حق قدره - خائنا لوطنه ، ساعيا في خَرابه وإذلال أهله ( كأقيا لتيس اليوناني ) ويعد نفسه في ذلك مجبورا ملجأ - طالبا للاستعباد ، متشبثا بأن الحرية لا تليق بالأهالي لعدم استعدادهم لها [ 1 ] ، بل إنها مما يوجب فسادهم لو نالوها - آيسا من صلاح العالم [ 2 ] . إذ يراهم - لنقص قريحته - ناقصي الاستعداد فاقدي القابلية ، يزعم أنه لو كان لهم نوع من التهيؤ للاصلاح لأتَمَّه لهم بسعيه واجتهاده . ومن أغرب آثارها [ 3 ] أن المتخلق بها ، مع كونه متصفا بأرذل الأخلاق وأشنع الخصال ، يعمى عن أنه متصف بها - مثلًا يكون قَسِىَّ القلب ، ويعتقد نفسه رحيما ، ومتكبرا ، ويرى نفسه متواضعا ، وهكذا باقي الخصال مع أنه لو تلبس غيره بأدنى رذيلة لأدركها وشد عليه النكير فيها ، حتى إنك ترى كل واحد « كأنه » قد جعل على إحدى عينيه نظارة معظمة ( ميكرسكوب ) ليقف على دقائق معايب معاشريه ، وعلى الأخرى نظارة رصدية ( تلسكوب ) لئلا يفوته أعمال البعداء عنه ، وعلى إحدى أذنيه موصلة الصوت ( تليفون ) [ 4 ] لاستراق أخبار الناس كيلا يَعْزب عنه شيء من نقائصهم ، وعلى الأخرى حافظة الصوت ( فنوكراف ) ليستحفظ
هامش
[ 1 ] . الإشارة هناقد تكون للخديو توفيق الذي صرح بمثل هذا القول . [ 2 ] . البشر أو الناس . [ 3 ] . الضمير هنا يعود إلى تلك الخلة ، أو الاعتقاد بكمال النفس ، أو ما نسميه : الغرور . [ 4 ] . في عام 1876 عرض الكساندر جراهام بلْ آلة تطورت فيما بعد إلى التليفون . ويبدو أن الأفغاني كان قد قرأ عن الاختراع في الصحف وقتها ، وكذلك الحال مع الفونوغراف .