الاعتدال ، ويتهمه بانتهاك المحارم والحقوق ، ويبريء نفسه من نسبة شيء من ذلك إليها . فالملوك فضلا عما رسخ في نفوسهم من أن رتبتهم الملوكية ، إنما هي رتبة سماوية ساقتها إليهم يدالعناية الإلهية ، بسبب طيب عنصرهم ، وطهارة طينتهم ، يعتقدون أن لا قوام للرعية بدون وجودهم ، وأن لاغنى لها عنهم ، إذْهُم يحفظون أموالها ، ويحقنون دماءها ، ويوفون لكل ذي حق حَقَّه ، وينتقمون للمظلوم في أموال الرعية ودمائها ، وأنه يجب عليها طاعتهم ، والخضوع لسطوتهم وسلطتهم ، وامتثال أوامرهم واجتناب نواهيهم ، ويرمون الرعية بالتقصير فيما يجب عليها . والرعايا يخاطبونهم قائلين : لا مزية لكم علينا كما زعمتم ، ولستم أطهر عنصرا ، ولا أطيب طينة ، بل نراكم أناسا استولى عليكم حب الرئاسة وأسَرَتْكم الشهوة واستعبدكم الهوى ، فاستمالكم إلى سلب راحتكم وراحة رعاياكم ، حرصا على التغلب ، وطمعا في توسيع دائرة السلطة ، وكسب الافتخار مَيّناً ، وأما اعتقادكم أن لا قوام لنا إلَّا بكم فأنَّى لكم صدق هذا الاعتقاد وقد أصبحتم كَلَّا [ 1 ] على كواهلنا : نحن نغرس ونحرث ، ونغزل ونَحُوك ، ونفصِّل ونخيط ، ونبني ونشيد ، ونخترع الصنائع ، ونتفنن في المعارف ، وأنتم تأكلون وتشربون ، وتلبسون وتسكنون ، وتتمتعون بلذة الراحة . وأما ما تعللتم به من حفظ أموالنا وحقن دمائنا إلى آخر ما ادعيتم ، فذلك إنما نَشَأَ عنالعظمة والكبرياء اللذين تَثْبُت أصولهما في نفوسكم ، أفلا تعلمون أن الحارس والمرابط إنما هو مِنَّا ، وأن الحافظ والحاقن والمنتقم إنما هوالقانون والشريعة الحقة . وما أنتم إلّا منوطون بحفظها ، والعمل فيالناس بها . فإن قمتم بذلك على وجه الاستقامة كان لكم علينا ما يقوم أودكم ، فكيف ساغ لكم أن تلعبوا بأموالنا ، وتعبثوا بدمائنا ، وتلقوا بنا في هاوية الشقاوة ، ثم تبتغوا طاعتنا وامتثالنا ، وترمونا بالتقصير والتهاون فيما وجب علينا . وذلك الذي ذكرناه فيما إذا لم يكن الملوك من المتغلبين المباينين للرعايا جنسا ومشرباً ، وأما المتغلبون من الملوك ، والمتغلب عليهم ، فكل منهما يزعم فوق ما ذكر
هامش
[ 1 ] . الكل ( بفتح الكاف وتشديد اللام : التعب ، أو الثقل ) .