أنه الوسيلة لمنفعة الآخر والواسطة لمصلحته ، وأن الآخر قَابَلَ حسنته بالسيئة ، ومنفعته بالمضرة . مثلا ، إن الحكومة الإنجليزية المتغلبة على الهنود تخاطبهم بقولها : إني عَمَّرت لكم المدن ( كبمباي ) و ( كلكتا ) و ( كراجي ) وأمثالها ، وزينتها بالأبنية الشاهقة ، والقصور الشائقة ، ووطأت شوارعها ، ووسَّعت مسالكها ، ورقَّشتها بالأغصان ، وزخرفتها بمروج وبساتين ، ومهدت لكم سبل التجارة ، وسهلت لكم أسباب الزراعة ، وفتحت أبواب الثروة بما مددت من الأسلاك البرقية في أرجاء بلادكم ، وأنشأت من الطرق الحديدية في أنحائها ، وحفرت من الترع والأنهار ، ووضعت من القناطر ، وكذلك أسست لكمالمدارس ، ورفعت عنكم ظلم النَوَّابين وقهر الراجاوات ، وأنتم مع ذلك أبيتم إلّا الشقاق والنفاق ، ونبذ الطاعة وسلب الراحة . . . وان الهنود يجيبونها متظلمين مستغيثين منها قائلين لها : إنك ما عمَّرت تلك المدن إلَّا بعد أن خربت بلاداً كانت زينة الأرض وفخارالأبناء : ( شيو ) و ( وشنو ) و ( كهكلي ) و ( مرشدآباد ) و ( عظيمآباد ) و ( أكبرآباد ) و ( إلهآباد ) و ( دهلي ) و ( رايبود ) و ( فيضآباد ) و ( لكهنو ) و ( حيدرآباد ) وغيرها من البلدان ، وإنك ما مددت الأسلاك البرقية ، ولا أنشأت الطرق الحديدية ، ولا حفرت الترع والأنهار ، ولا وضعت القناطر ، إلا لنَزْف مادة ثروتنا ، وتسهيل سبلالتجارة لساكني جزيرة بريتانيا [ 1 ] وتوسيع دائرة ثروتهم ، وإلَّا فما بالنا أصبحنا على فقر وفاقة ، وقد نفدت أموالنا ، وذهبت ثروتنا ، ومات الكثير منا يتضور جوعا ؟ فإن زعمتِ أن ذلك لنقص في فطرتنا ، وضيقٍ في مداركنا ، فيا للعجب من أبناء ( بريتوس ) [ 2 ] الذين مضت عليهم أحقاب متطاولة يهيمون في أودية التوحش والتبربر ، إذ يعتقدون النقص وعدم الاستعداد في أولاد ( برهما ) و ( مهاديو ) [ 3 ] مؤسسي شرائع الانسانية وواضعي قوانين المدنية .
هامش
[ 1 ] . المقصود : بريطانيا ، وقد يسميها السيد بالجزيره تصغيراً من شأن بريطانيا الكبرى ! ! كماكانوا يسمونها !
[ 2 ] . أي البريطانيون .
[ 3 ] . برهما ومهاديو يشيران إلى الهنود في مواجهة البريطانيين .