تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
قبائحهم ، لئلا يغيب عنه شيء منها ، ويقتدر على استحضارها وقت الحاجة عندما يتحرك دولاب حقده وحسده ، مع أن أقرب الأشياء اليه نفسه . وهو لا يرى شيئا من معايبها ، فهو أعمى حديد البصر وأصم قوي السمع . فتعسا لها من خلة قضت على نوع الانسان بالاختلال وسوءالحال ، وآذنته بالشقاء والعناء ، وأوقعت الخبط في الأعمال والخلط في الأقوال ، ولَبَّست الحق بالباطل ، والزائف بالصافي ، والجيد بالردىء ، وحسَّنت القبيح وقبَّحت الحسن ، وأبرزت المعوجَّ مستقيما والمستقيم معوجا . ومن نَظَر بعين الحق وسَبَرَ الحقائق بنور البصيرة لا يجد لهذه الخلة ( أعنى اعتقاد كُلِّ كَمالَ نفسه ونظره إلى أعماله بعين الرضى ) علة وسببا سوى حب الذات ، الذي هو غشاوة على عين العقل ، تمنعه من استطلاع الحقائق على ما هي عليه ، ووقوفه عند حد الصواب في سَيْر الأفكار ، بل هو متغلب على جميع‌الاحساسات النفسانية وحاكم على كُلِّها بالتغيير . بل لا يختص حكمه بها إذ يتعدى إلى الاحساسات الطبيعية أيضا فإنك ترى مشوه الوجه مختل الخلقة رث الثياب الذي قد تجسدت عليه الأدران والأقذار إذا نظر إلى صورته بهذه الصفة الرديئة في مرآة مثلا لا يشمئز ولا يستنكر ، وإذا وقع بصره على من بلواه في ذلك أخف من بلواه ، انفعلت نفسه واستنفر واستبشع . وهذا الوصف ، أعني حب الذات ، الذي هو علة الشقاء والعناء من الأوصاف اللازمة لذات الانسان ما دام موجودا . فلا ينفك الانسان عنه ولا هو يزايله ، فإذن لا حيلة ولا خلاص من بلاياه ونكباته إلا باستعمال الانسان عقله ورجوعه إليه في جميع أموره ، والخروج من ربقة عبودية سلطان حب الذات ورفض أحكامه . وذلك أن يحكم على نفسه بما يراها عليه في مرآة غيره لا في مرآة نفسه ( ما أجملك أيها الانسان المعجب في مرآة نفسك وما أقبحك في مرآة غيرك ) . وهذا الذي ذكرناه هو العلاج الحقيقي والوسيلة العظمى لوقوف كلِّ عند حده ، وسعى كلِّ لاستكمال نفسه ، اللذين هما مدار السعادة .