تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
ولا تتعدى على حقوق غيرها ، وأن يُمَهَّد سبيل التواصل بينها وبين باقي الدول لكمال التعاون والتوازر بين نوع الانسان وانتفاع كلِّ من الآخر ، فيكون حصولها على السعادة بحصول تلك الأمور وفقدها لفقد جيمعها أو بعضها . وهذه الأمور ، وإن كانت ممكنة الحصول ، وجد الناس في التماسها ما استطاعوا إلَّا أن هناك مانعا من الوصول إليها ، وهو اعتقاد كلِّ كمال نفسه ونقص غيره ، ونظره إلى أفعاله بعين الرضى وإلى أفعال غيره بعين السخط ، وزعمه أنه ما حاد عن حد الاعتدال ولا أخَلَّ بشيء من واجباته وشؤونه ، ولا تقاعدت همته عن أداء وظائفه فيالعالم الانساني ، ويتمحل لاثبات ذلك بما تسوله له نفسه من‌الحجج والبراهين ، وإن أصابه العناء ، ونزل به الشقاء ، حسبهما من تعاون الغير فيما يلزمه وإهماله ما يجب عليه ، مُبَرِّئا نفسه من أسباب ذلك ، حتى لو أغفل شأناً من شؤونه يزعم أنه قد سدت أبواب الامكان ، وتعذر عليه القيام به ، ولو انتهك محظورا من محظورات لادعى أنه لااختيار له فيه ، وانما الضرورة هي التي ساقته إلى ارتكابه ، فهو مجبور لامختار ، مع أنه لا يلتمس للغير عذرا فيما يفوته أو يقع منه ، ولو كان في نفس‌الأمر مجبورا . ومن ثم وقع التضارب في الآراء والتدافع في الأفعال والحركات ، وعمل كُلُّ على نقيض الآخر ، فارتفع التناسب ، وانعدم التعادل ، وذهب الارتباط . أنظر إلى حال الآباء مع الأبناء ، والسادات مع الخَدَمة ، كيف أن كلَّا منهم ، مع علمه بأن السعادة المنزلية إنما تُحَقَّق بأدائه ما يجب عليه ، وجعل حركته من متممات حركات الآخر ، يخالفه في أفعاله ، ويضاده في آرائه ، معتقدا أنه لو لم يقصِّر ذلك الآخر في أداء الحقوق المفروضة عليه ، لاستقرت الراحة المنزلية ، وارتفع العناء - إلى حال المشتركين في المدينة فإن كل واحد مع جزمه بأن الراحة والنجاح إنما يكونان بإحكام الصنعة وتهذيبها وحسن التعامل ، وكف يدالشر والخيانة ، وضبط العهود والمواثيق ، واجتناب الكذب والاعتصام ، يحبب الصدق والوفاء لا يرى نفسه مُخلَّا بشيء من ذلك وإن أخَلَّ بجميعه ، ويزعم أن زوال السعادة المدنية إنما جاء من تهاون الآخرين . وتدبر حال الملوك مع رعاياها ترى كلَّا منهما يرمى الآخر بالاغراق وعدم