نوراً باهراً كهذا على الدنيا ، وكيف لم تُضَأْ هذه الشعلة منذ ذلك اليوم ، ولماذا يعيش العالم العربي مدفوناً على الدوام في ظلمات حالكة ؟ وهنا تتجلى مسؤولية الديانة الاسلامية كاملة ( ! ) . فمن الواضح أنه حيثما استقر لها الأمر سعت إلى طمس العلوم .
ويروي السيوطي أن الخليفة الهادي [ 1 ] أمر بقتل خمسة آلاف فيلسوف ( ! ) في بغداد حتى يستأصل بذرة العلوم في الأقطار الاسلامية . وإذا سلَّمنا بأن هذا المؤرخ بالغ في تقدير عدد الضحايا ، فحكمه على وقوع الاضطهاد يبقى صحيحاً على الأقل . وهذه وصمة ملطخة بالدم في تاريخ الديانة وتاريخ الأمة سواء بسواء ( ! ) وأستطيع أن أجد في ماضي الديانة المسيحية حقائق مشابهة . فالديانات كلها متشابهة ، أياً كان الاسم الذي تُعَرف به . وليس من الممكن تحقيق الاتفاق ولا المصالحة بين هذه الديانات والفلسفة . فالديانة ( تفرض ) على الانسان تحريراً عقيدتها واعتقادها ، في حين أن الفلسفة تحرره من ذلك كاملًا أو جزئياً . فكيف إذاً يرجو المرء أن يحل الاتفاق بينهما ؟ حين دخلت الديانة المسيحية ، في أشد صورها تواضعاً وإغواءً ، أثينا والإِسكندرية اللتين كانتا كما يعرف الجميع ، المركزين الأساسيين للعلم والفلسفة ، وبعد ما ثبتت قدميها في هاتين المدينتين ، كان همها الأول أن تقصي العلم والفلسفة الحقيقيين . فسعت إلى خنق هذا وتلك تحت الأشجار التي أظلَّت المناقشات اللاهوتية ، من أجل تفسير الأسرار التي لا يمكن تفسيرها في ما يتعلق بالتثليث والتجسد والاستحالة [ 2 ] . وهكذا الحال دائماً . فكلما كانت اليد العليا للديانة ، انقرضت الفلسفة . ويحدث العكس حين تحكم الفسلفة وتسود . وما بقي البشر على قيد الحياة فلن يتوقف الصراع بين الجمود ( ! ) والبحث الحر . وهو صراع بائس أخشى ألا يكون النصر فيه للفكر الحر لأن العامَّة تكره العقل الذي
هامش
[ 1 ] . هل الخليفة الهادي وأمثاله فىالتاريخ الاسلامي هو « الديانة الاسلامية كاملة » ؟
[ 2 ] . التثليث ، لدى المسيحيين ، هو الاعتقاد أن اللّه واحد ذو أقانيم ثلاثة : الأب والابن والروح القدس . والتجسد هو اتحاد الطبيعتين الإِلهية والإِنسانية في يسوع المسيح . والاستحالة هي تحوُّل الخبز والخمر في المناولة إلى جسد المسيح ودمه ( انظر : علي شلش ، مصدر مذكور ، ص 66 ) .