تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
هامش
إلى أعلى مما كان عليه جميع البشر في كل علم وكل فن وكل نظام وكل عمران ، في مدة جيل واحد ، حتى سادوا الفرس والروم والأوروبيين وغيرهم . وهل يعقل أن تلك الشراذم التي خرجت من جزيرة العرب حفاة عراة ، لا يعرفون من العلم شيئاً غير القرآن ، ولم يكن كل واحد منهم يحفظه كله ، يمكن أن تدوّخ كل هذه الأمم وتسودها وتسوسها ، من ساحل المحيط الأطلسي إلى الشرق الأقصى ، وتخضعها لدينها ولغتها بالسيف » ! ونقلًا عن الشيخ محمد عبده فيما رواه له عن موقف الأفغاني ، يستطرد رضا : « لكن المسلمين ابتدعوا في الاسلام بدعاً كثيرة ، لم يمكن تداركها بسبب فساد نظام الخلافة وإخراجها عن أصلها الذي يُشْتَرط فيه العِلم الاستقلالي والعدالة . وبهذا الابتداع الذي صار إسلام القرآن فيه غير إسلام المنتمين إليه ، أضاعوا العلم به ، ثم عادوا كل علم ، حتى صاروا إلى ما كان يسعى السيد ( جمال الدين ) لتلافيه وتداركه . فكأنه يقول لرينان : كلُّ ما ذكرت من عداوة الاسلام للعلم ، مما تكثر الشواهد عليه في التاريخ وإن كانت قليلة في عهد الإِسلام بالنسبة إلى غيره من الأديان ، فهو الإِسلام الذي فهمه خطأ أولئك الذين عادوا العلم والعقل والحضارة ، لا إسلام القرآن الذي يخاطب العقل ويرفع شأن ا لعلم في آيات كثيرة ، ويبيِّن أن للّه سنناً في الكون قام بها نظامه ، وأن هذه السنن لا تبديل لها ولا تحويل » . ( 2 ) وعمل رضا على الربط بين ما جاء في ( الرد ) وبين كتاباته السابقة سواء في « العروة الوثقى » أو في غيرها ليجد أن ثمة تناقضاً كبيراً فيما بين الاثنين . ويذكر نقلًا عن محمد عبده أن جمال الدين لطالما ردَّد في مجالسه الخاصة بالقاهرة أن « الاسلام الممزوج بالبدع هو ذلك الذي اضطهد بعضُ أهلِه رجالَ العلم » . ( ( هامش : ( 2 ) مجلة « المنار » ج 4 ، ص 206 ) ) وإذ اعتبر رضا أن الرد يكون تفنيداً لا تأييداً مثلما درجت العادة أكد على أن الأفغاني نبَّه رينان إلى « أن المسلمين قد وُجِد منهم كغيرهم في نشأة الاسلام الأعجمية في النصف الثاني من حياته ما خنق الحركة العلمية . فكل ما أسنده إلى الاسلام موافقاً لرينان يُرادُ به الاسلام الأعجمي المشوه بالبدع ، لا الاسلام العربي المنصوص في القرآن والسنن ، وإلَّا كان كلامه متناقضاً » ( 3 ) . ( ( هامش : ( 3 ) المصدر السابق ، ص 315 ) ) ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن الأمير شكيب أرسلان ( 1869 - 1946 م ) وهو الذي عرف الأفغاني في أواخر حياته بادر إلى الادلاء بدلوه ، فوجه رسالة إلى رشيد رضا مؤرخة في 12 أيار 1924 م يشرح فيها موقفه من هذه المسألة . ومما قاله أرسلان : « . . . والذي أظنه هو أن السيد جمال الدين حرر رده على رينان بالعربية ، ثم دفعه إلى مترجم مثل أنيس شحادة أو غيره ( تبين فيما بعد أن مترجم الرد هو خليل غانم نفسه ) لأجل أن يضعه في قالب فرنسي . فالمترجم ، الذي لا أقدر أن أعرف من هو ، ترجم بعض كلمات جمال الدين بغير ما يجب أن يترجمها به ، وتصرف في التعبير . وربما كان المترجم هو نفسه متشيعاً بفكرة رينان ، غير مقتنع بكلام جمال الدين ، فلم يتقيد بالمتن الجمالي التقيُّد الكافي ، ولا أدى الأمانة في النقل حقها . فوقعت هناك ألفاظ لو فهم السيد جمال الدين حقيقة مرماها لأنكرها وغيَّرها في حينها . . . فلا عجب أن تكون الترجمة الفرنسية التي صدرت تحت إمضاء جمال الدين تفيد أشياء لم يُرِدْها هو . ومن تأمل في كون هذه المقالة ظهرت في جريدة « الديبا » ، وكان يعلم دأب هذه الجريدة من دس السم في كل