تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
على أرض العلم والفلسفة الشاسعة . ومع ذلك جاء عليهم حين من الدهر أُهمِلت فيه بحوثهم وقُطعت دراساتهم وسقطت آثارهم التي أقاموها شاهداً على العلم ، وطوى النسيان مؤلفاتهم القيمة . لكن العرب تبنوا ما أهملته الأمم المتمدنة وأضرموا ، من جديد ، نار العلوم المطفأة وطوروها وأضفوا عليها تألقاً لم تتمتع به من قبل . أَوَليس هذا علامةً وبرهاناً على حبهم الفطري للعلوم ؟ صحيح أن العرب أخذو عن الإِغريق فلسفتهم مثلما جردوا الفرس مما اشتُهروا به خلال العصور القديمة . لكن هذه العلوم ( . . . ) تطورت على أيديهم وتوسَّعت وتوضحت وكملت واكتملت وتناسقت بذوق سليم وبدقةٍ وضبطٍ نادَرين . أما الباقون ، مثل الانكليز والألمان ، فلم يكونوا بعيدين عن روما وبيزنطية بمقدار بُعد العرب عنهما يوم كانت حاضرة هؤلاء بغداد . وكان من الأيسر على أولئك ( الأوروبيين ) ، والحال هذه ، أن يستغلوا الكنوز العلمية التي دُفنت في هاتين المدينتين العظيمتين [ 1 ] . بيد أنهم لم يبذلوا أي جهد في هذا الاتجاه ، حتى جاءت المدنية العربية فأضاءت بأنوارها ذرى جبال البرانيس ، وصبت على الغرب سناها وغناها . ورحب الأوروبيون بأرسطو الذي كان قد هاجر وصار عربياً ، لكنهم لم يفكروا فيه على الإِطلاق يوم كان يونانياً وجاراً لهم . أَوَليس هذا برهاناً آخر لا يقل نصوعاً ، على التفوق الفكري عند العرب وارتباطهم الفطري بالفلسفة ؟ والحق أنه بعد سقوط المملكة العربية في المشرق والمغرب سقطت الأقطار التي كانت قد صارت مراكز كبيرة للعلم ، مثل العراق والأندلس ، فريسة للجهل مرةً أخرى ، وأصبحت مراكز للتعصب الديني . لكن المرء لا يمكن أن يستخلص من هذه الصورة المحزنة سوى أن التقدم العلمي والفلسفي في العصور الوسطى كان مصدره الأمة العربية التي سادت في ذلك الزمن . إن مسيو رينان ينصف العرب في هذا . فهو بعترف بأنهم حافظوا على مشعل العلم وصانوه طوال قرون . فيا لها من رسالة نبيلة لأمة من الأمم . غير أنه في الوقت
هامش
[ 1 ] . فاتَ المترجم لنص الأفغاني أن روما وبيزنطية ليستا مدينتين . فنحن نقرّه بأن الأولى كانت بالفعل مدينة على حين كانت الثانية ( أي بيزنطية ) إمبراطورية عاصمتها القسطنطينية . وإذا كان قد فات المترجم هذا الأمر فنحن نستبعد أن يفوت الأفغاني . وهذا دليل آخر على خلل الترجمة .
الرسائل والمقالات — صفحة 196 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده