هامش
إن الملفت في هذا التساؤل وقد طرحه رينان ولم يُجب عليه من أجل تعميق الشك في النفوس ، هو أن الأفغاني أيضاً طرحه في سياق تفنيد أقوال رينان ومزاعمه لكنه أيضاً ، لم يقدم جواباً . فكيف يكون الرد إذن وما عسى يكون معناه مالم يقدم أجوبة عن الأسئلة المطروحة علماً بأن الأفغاني كان بإمكانه ، واستناداً إلى النصوص الإسلامية الرسمية من قرآنٍ وحديث ، تقديم جواب كافٍ ووافٍ وبالشكل الذي يدحض مزاعم رينان . ونحن هنا أمام احتمالين لا ثالث لهما : فإما أن الأفغاني لم يطرح هذا التساؤل إطلاقاً في النص العربي ( وإلا لكان أجاب عنه ) . . . . وقد أُضيف إلى الترجمة الفرنسية ، وإما أن يكون قد أجاب عنه ، لكن الجواب حُذِف ! ولو افترضنا جدلًا أن الأفغاني طرح هذا التساؤل دون أن يجيب عنه مثلما فعل رينان ، وهذا أمر مستبعد ، فإنه يوضح لنا نظرة الأفغاني لهذه المشكلة ، أي مشكلة الاسلام والعلم . فالأفغاني يفصل بين الإِسلام وبين المسلمين ، أو بين الديانة وبين معتنقيها . فليست الديانة ( الدين ) هي التي عوَّقت العلم والفلسفة ومنعت ازدهارهما بل إن السبب يعود إلى معتنقي هذه الديانة . أما بالنسبة للبقعة العربية الإِسلامية فليست الديانة هي التي عرقلت مسيرة العلم وإنما هم المسلمون أو بعضهم . أما سبب ذلك فهو ليس دينياً بقدرما هو سياسي محض يتصل بتكريس السلطة السياسية وبترسيخ أقدامها .
ولدينا من الوقائع ما يجعل الترجمة الفرنسية للرد موضع شبهة . فالأفغاني بعد أن نُشر رده مترجماً عرف من طريق أحد المتضلّعين في هذه اللغة ما أصاب مقاله من تحريف وتشويه وما تضمنه من أخطاء . ويبدو أنه عرف أيضاً بأن إدارة ال « جورنال دي ديبا » أدارات له ظهر المجن وهي ، بالتعاون مع أطراف معينة داخل باريس وخارجها ، ترمي إلى تشويه صورته في العالم الإِسلامي . ومن أجل ذلك أسرع الأفغاني وبعث بنسختين من العدد المنشور فيه ردّه والمؤرخ في 18 أيار 1883 م إلى تلميذه محمد عبده . وقد أرفق هاتين النسختين برسالة بخط يده يوضح فيها أن الرد على رينان أصابه تشويه كبير وتضمن أخطاء كثيرة . وظن محمد عبده أن ما يتحدث عنه أستاذه من تشويه وأخطاء إنما يتعلق باللغة وبأخطاء مطبعية وهي شيء مألوف في الصحافة ، فأوكل ترجمة الرد إلى العربية إلى صديقه حسن بيهم . وبعد أن أنهى هذا الأخير المهمة الموكولة إليه عرف محمد عبده إلى مَ رمى إليه أستاذه لجهة التشويه والأخطاء ؟ فَحَمد اللَّه لأن الرد لم يقع في أيدٍ أخرى ولأنه أوكل الترجمة إلى حسن بيهم صاحب اللسان الدافىء . . . وهكذا اندفع المكروه ! ( 1 ) . . .
( ( هامش : ( 1 ) الأزمنة ، مصدر مذكور ، ص 62 ) )
لقد أخذ محمد رشيد رضا على المحاضر في مقالةٍ له نشرتها « الأهرام » أنه لم يتمكن من تقديم أفكار رينان أو أفكار الأفغاني . كما أنه ارتكز في حديثه عن الأفغاني على ترجمة عربية مأخوذة في الوقت عينه عن ترجمة المانية لرد الأفغاني على رينان . وقد تساءل محمد رشيد رضا ما إذا كان مضمون رد الأفغاني قد حافظ على حاله بعد كثرة النقل من لغة إلى لغة .
واستناداً إلى الشيخ محمد عبده الذي يعرف فكر الأفغاني كما لا يعرفه أحد مثله تحدث رضا عن رأي الأخير في الاسلام وعلاقته بالعلم ، وذلك في مقال آخر ومطول نشره في مجلة « المنار » . ومما قاله : « إن الاسلام دين العقل والحكمة والفلسفة الصحيحة ، وأنه لولا تأثير هدايته لما انتقل العرب من الأمية