تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ولاشك أن العرب لا يستطيعون أن يدعوا لأنفسهم المجد الذي جعل هؤلاء الكتاب لامعين . لكننا نعتقد أنهم ليسوا في حاجة إلى مثل هذا الادعاء . فعندهم مايكفيهم من العلماء والأدباء المشهورين . وماذا يحدث لوعدنا إلى العهود الأولى للسيطرة العربية وتتبعنا ، خطوة فخطوة ، أول مجموعة شكلت هذه الأمة الفاتحة التي بسطت سلطانها على الدنيا ، واستبعدنا كل ما هو غريب عن هذه المجموعة أو المتحدرين منها ، ولم نضع في حسباننا الأثر الذي أحدثته في العقول ولا الحافز الذي أتاحته للعلوم ؟ ألا يؤدي بنا هذا ، إذاً ، إلى عدم الاعتراف للأمم الفاتحة بسجايا ومزايا غير تلك التي تنشأ عن الحقيقة المادية المتمثلة في الفتح ؟ لو اتبعنا هذه الطريقة لاستعادت جميع الأمم المغلوبة استقلالها المعنوي الذاتي ، ونسبت إلى نفسها كل المجد ، ولم يبقَ للقوة التي احتضنت بذوره وطوَّرتها حق شرعي في ادعاء أي نتفةٍ منه . بهذا المنطق ستقول إيطاليا لفرنسا أنه لامازاران ولا بونابرت [ 1 ] ينتميان إليها ، وسوف تطالب ألمانيا أو إنكلترا ، بدورهما ، بالعلماء الذين رحلوا عنهما إلى فرنسا وجعلوا كراسي الأستاذية فيها لامعة وزادوا تألق شهرتها العلمية . وسوف يطالب الفرنسيون ، من جانبهم ، بمجد أبناء تلك الأسر الشهيرة التي هاجرت إلى جميع أنحاء أوروبا عقب صدور مرسوم « نانت » [ 2 ] . وإذا أمكن الادعاء بأن الأوروبيين جميعاً ينتمون إلى سلالة واحدة لأمكن الادعاء ، عن عدل ، بأن الحرانيين والشاميين - وهم ساميون - ينتمون ، على قدم المساواة ، إلى الأسرة العربية الكبيرة . غير أنه يحق للمرء أن يتساءل عن سر اندثار المدنّية العربّية فجأة بعد أن ألقت
هامش
[ 1 ] . يقصد الأفغاني جيل مازاران ( 1602 - 1661 م ) وقد كان كاردينالًا إيطالياً عينه لويس الرابع عشر وزيراً له وكان الحاكم الفعلي ، في فرنسا على مدى فترة طويلة . ونابليون بونابرت ( 1769 - 1821 م ) إمبراطور فرنسا ، وهو من أصل إيطالي ومن كورسيكا بالتحديد . [ 2 ] . هو المرسوم الصادر في العام 1598 م . وقد أصدره في ذلك العام هنري الرابع ملك فرنسا وسمح من خلاله بحرية العبادة للبروتستانت في فرنسا . وبعد قرابة التسعين عاماً أي في العام 1685 م عدَّل الملك لويس الرابع عشر هذا المرسوم ، الشيء الذي حمل عشرات الألوف من الفرنسيين البروتستانت على الهرب إلى خارج البلاد وخاصة إلى إنكلترا .
الرسائل والمقالات — صفحة 198 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده