الذي يسلِّم بأن الأقطار الإِسلامية شهدت علماء ومفكرين نابهين للغاية منذ العام 775 تقريباً حتى قبيل منتصف القرن الثالث عشر ، أي خلال نحو 500 سنة ، ويسلِّم أيضاً بأن العالم الاسلامي كان خلال تلك الفترة متفوقاً في الثقافة العقلية على العالم المسيحي ، إذا به يقول أن فلاسفة القرون الأولى من تاريخ الإِسلام ، وكذلك رجال الدولة ، كانوا في معظمهم من حران والأندلس وإيران . ولقد كان من بينهم أيضاً رجالٌ من أبناء ماوراءالنهر ( أي كازخستان وتركستان ) ، وأحبار من نصارى الشام . ولست أبغي أن أغمط علماء الفرس حقهم من السجايا العظيمة ، ولا أن أقلِّل من الدور الذي لعبوه في العالم العربي . ولكن لابد من أن أقول أن الحرانيين كانوا عرباً ، وأن العرب لم يفقدوا جنسيتهم ( قوميتهم ) حين احتلوا إسبانيا والأندلس بال ظلوا عرباً . وقد كانت العربية لغة الحرانيين قبل قرون من ظهور الاسلام . أما كونهم احتفظوا بديانتهم السابقة ، وهي الصابئية ، فلا يعني أن نعدهم غرباء عن الجنسية العربية ، بل إن أحبار الشام أيضاً كانوا ، في معظمهم ، عرباً غساسنة اعتنقوا المسيحية . وأما فيما يتعلق بابن باجة وابن رشد وابن طفيل فلا يمكن القول أنهم أقل عروبةً من الكندي لأنهم لم يولدوا في الجزيرة العربية ، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن الأجناس البشرية لاتتميز بلغاتها ، وأنه إذا اختفى هذا التمييز فلن يطول الزمن بالأمم حتى تنسى أصولها المتعددة . فالعرب الذين تكاتفوا في خدمة الديانة الاسلامية ، وكانوا في الوقت ذاته من المقاتلين والصحابة ، لم يفرضوا لغتهم على المغلوبين ، وإنما حافظوا عليها لأنفسهم ، وفعلوا ذلك بعنايةٍ غيور في كل مكان حلوا به وثبتوا أقدامهم فيه . ولاشك أن الاسلام غرس لغته وأخلاقه ومذهبه في الأقطار التي تغلغل فيها بالفتح ذي العنف المعروف . ومنذ ذلك الحين لم تستطع هذه الأقطار أن تتقي أثره . وإيران مثال على ما نقول . ولكن إذا عدنا إلى القرون التي سبقت ظهور الاسلام ، لأمكن أن نجد اللغة العربية غير مجهولة تماماً عند العلماء الفرس . والحق أن توسع الاسلام أتاح لها مجالًا جديداً ورأى العلماء الفرس الذين اعتنقوا العقيدة المحمدية الشرف في أن يؤلفوا كتبهم بلغة القرآن .
الرسائل والمقالات — صفحة 197
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٩٧