وتتشكل على صورتها ، خرجت من الطور الأول الذي ألمَعْت إليه قبل قليل ، وصارت حرة ومستقلة ، تخطو بسرعة على طريق التقدم والعلوم . في حين أن الجماعة الإِسلامية لم تتخلص بعد من وصاية الدين . ومع ذلك إذا تذكرنا أن الديانة المسيحية سبقت الديانة الإِسلامية في العالم بقرون عدة ، فإني لا أنفك أرجو أن تنجح الجماعة المحمدية يوماً ما في تحطيم قيودها ( ! ) والسير بعزم على طريق المدنية ، مقتفية خطى الجماعة الغربية التي لم تشكل لها العقيدة المسيحية أي عقبة كؤود على الإِطلاق على رغم مما في هذه العقيدة من ألوان القسوة والتعصب ( . . . ) ولم ينزع رؤساء الكنيسة الكاثوليكية الموقرون أسلحتهم بعد في ما أعلم . فما برحوا يحاربون بلا هوادة مايسمّونه روح الضلال والخطأ . وإني لمدركٌ جميع الصعاب التي سيكون على المسلمين تخطيها في سبيل تحقيق الدرجة نفسها من المدنية ، والتوصل إلى الحقيقة بمساعدة الأدوات والطرائق الفلسفية والعلمية . ( . . . ) وأعرف أيضاً أن ذلك الطفل المسلم والعربي الذي يرسم مسيو رينان صورته بكلمات نابضة والذي يصبح في وقت لاحق ، كما يقول ، « متعصباً مزهواً بحيازة ما يعتقد أنه الحقيقة الكاملة » ، إنما ينتمي إلى جنس ترك آثار خطاه في الدنيا ، لابالنار والدم وحدهما ، ولكن بأعمال فذة وخصبة تدل على تذوقه للعلوم ، كل العلوم ، بما فيها الفلسفة التي يجب أن أعترف بأنه عجز طويلًا عن تدبير شؤونها . عند هذا الحد أصل إلى الحديث عن النقطة الثانية التي تناولها مسيو رينان . فلاأحد ينكر أن الأمة العربية هرعت إلى طريق التقدم الفكري والعلمي بسرعة لا تعادلها إلَّا سرعة فتوحاتها . فعلى مدى قرن من الزمن اكتسبت واستوعبت معظم العلوم التي كانت عند الإِغريق والفرس ، والتي طوروها تدريجاً خلال قرون على أراضيهم في الوقت الذي مدَّت ( هذهالأمة ) سيطرتها على شبه الجزيرة العربية إلى جبال الهملايا وقمة جبال البرانيس . لعلي أقول إن العلوم ، خلال تلك الفترة كلها ، حققت بغيرشك ، تقدماً مدهشاً عند العرب ، في جميع الأقطار الواقعة تحت سيطرتهم . وكانت روما وبيزنطية عند ذاك مقر علوم اللاهوت والفلسفة والمركز المشرق الوهاج للمعارف البشرية كلها . وكان الإِغريق والرومان سلكوا سبيل المدنية طوال قرون وساروا واثقين مطمئنين
الرسائل والمقالات — صفحة 195
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٩٥