تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
أما في ما يتعلق بالنقطة الأولى ، فأقول أنه لا توجد أمة قادرة ، عند نشأتها ، على الاهتداء بالعقل الخالص . فالأمة التي في مثل هذا الطور تنتابها مخاوف لا تستطيع الفكاك منها ، فتعجز عن تمييز الخير من الشر ومعرفة ما يكون سبب سعادتها مما قد يكون المصدر الثابت لتعاستها وشقائها ، وبذلك لا تدري باختصار كيف تكشف عن العلل ( الأسباب ) أو تفطن إلى المعلولات ( النتائج ) . والوقوع في هذه الهوة يعني أنه لا يمكن إنقاذ الضحية بالاكراه أو بالاقناع ، ومساعدتها على ممارسة الأعمال التي قد تفيدها أو تفادي ما يضرها . ومن ثمة كان لابد للبشر من أن يبحثوا خارج حدودهم عن ملاذ أوركنٍ هادىء يهجع إليه ضميرهم المعذب . وهذا ما استوجب ظهور معلم أو أشبه لم يكن يملك - كما ذكرت آنفاً - السلطة اللازمة لاكراههم على اتباع وحي العقل ، فقذفهم داخل المجهول ، وفتح لهم آفاقاً شاسعة سَعُد بها خيالهم ، ووجدوا فيها على الأقل أرضاً غير محدودة لتطلعاتهم إن لم يكونوا قد وجدوا الإِشباع الكامل لرغباتهم . ولما كان البشر ، عند نشأتهم ، لا يدركون علل الحوادث التي تقع تحت أبصارهم ، وكذلك أسرار الأمور ، فقد انقادوا بحكم الظروف إلى اتباع نصح معلميهم وتنفيذ أوامرهم . وتم فرض هذه الطاعة باسم الكائن الأسمى الذي نَسَب إليه المعلمون جميع الحوادث دون أن يسمحوا للناس بمناقشة نفعها أو أذاها . وهذه بالنسبة للانسان ، أثقل وأذل عبوديةً في ما أعرف . لكني لا أستطيع إنكار أن جميع الأمم ما خرجت من حال الهمجية إلَّا بهذه التربية الدينية ، سواء أكانت إسلامية أو مسيحية أو وثنية ، وما زحفت نحو مدنيةٍ أكثر تقدماً إلَّا بها . وإذا صحَّ أن الديانة الاسلامية تشكل عقبة أمام تطور العلوم ، فهل يمكن الجزم بأن هذه العقبة لن تزول يوماً ما ؟ بمَ تختلف الديانة الإسلامية في هذه النقطة عن بقية الديانات ؟ إن جميع الديانات لا تخلو من التعصب [ 1 ] ، ولكلٍ منها طريقتها الخاصة في ذلك . فالديانة المسيحية ، أعني الجماعة التي تتبع أفكارها وتعاليمها الموحاة
هامش
[ 1 ] . هذا رأي لا علاقة للأفغاني به كما نعتقد ، إذ أن المطّلع الجيد على أفكاره يعرف أنه يقف ضداً لهذا الرأي جملة وتفصيلًا . فهو ينبذ التعصب ويعتبره آفة كبيرة . كما أن الديانات كافة عنده براءٌ من آفة التعصب . ونرجح أن الأفغاني أراد أن ينعت بالتعصب أصحاب هذه الديانات لا الديانات نفسها .