وأسارع فأعترف بأن مسيو رينان أبلى أروع البلاء في هذه المهمة الشاقة حين أورد بعض الحقائق التي لم يفطن لها أحد حتى اليوم . وأجد في خطابه ملاحظات رائعة ولمحات جديدة وسحراً لا يوصف . ومع ذلك فليس أمامي سوى ترجمة أمينة تقريباً لهذا الخطاب . ولو كنت أملك أن أطالعه في نصه الفرنسي ، لاستطعت سبر أغوار أفكار هذا الفيلسوف الكبير على نحو أفضل . فإليه أزف تحيتي المتواضعة علامة الإجلال الذي هو أهله ، وتعبيراً خالصاً عن إِعجابي . وأقول له في مثل هذه الأحوال ، في النهاية ، ما قاله المتنبي ، الشاعر الذي كان يهوى الفلسفة ، في شخصية رفيعة المقام ، مادحاً أعمالها قبل قرون :
خُذْمن ثنايَ عليك ما أستطيعهُ * لاتلزمني في الثناء الواجبا [ 1 ]
لقد اشتمل خطاب مسيو رينان على نقطتين أساسيتين . فقد اجتهد الفيلسوف الأشهر في بيان أن الديانة الإسلامية معادية في جوهرها لتطور العلم ، وأن الأمة العربية لاتميل بطبيعتها إلى علم ما وراء الطبيعة ولا إلى الفلسفة . ولعل مسيو رينان يريد أن يقول أن هذا الغرس النفيس قد ذوى على يدها ، كأنما صوّحه هبوب الريح في الصحراء . لكن المرء لا يملك ، بعد مطالعة هذا الخطاب إلَّا أن يتساءل : هل صدرت هذه العوائق عن الديانة الاسلامية ذاتها فانفردت بها ، أم عن الطريقة التي انتشرت بها في العالم ؟ هل صدرت عن طابع الأمم التي اعتنقت هذه الديانة وأخلاقها واستعداداتها ، أم عن الأمم التي أُكرِهت على اعتناقها [ 2 ] ؟ لاشك أن ضيق الوقت هو الذي حالَ بين مسيو رينان وبين توضيح هذه النقاط . لكن الضرر هنا ليس بالكثير . وإذا كان من الصعب تحديد العلل ( الأسباب ) بطريقة دقيقة وبراهين لاتقبل الجدل ، فمن الأصعب أيضاً الإِشارة إلى الدواء .
هامش
[ 1 ] . هذا البيت من قصيدة للمتنبي يمدح فيها علي بن منصور الحاجب ، ويقول مطلعها :بأبي الشموس الجانحات غواربا * اللابسات من الحرير جلاببا[ 2 ] . لعل هذه العبارة الواقعة في الشق الأخير من السؤال تقوم دليلًا على أن رد الأفغاني على رينان قد نُشر في الفرنسية مشوهاً إذ لايُعقل أن تكون هذه العبارة قد صدرت عن مفكر من وزن الأفغاني الذي يعرف أن أحد أهم المباديء التي انتشر الاسلام على أساسها هو أن ( لا إكراه في الدين ) .