تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
أولى هذه الحقائق أن أرنست رينان يعتبر رمزاً لتيارٍ فكريّ انتشر في فرنسا والغرب إبان القرن الماضي . أما مضمون هذا التيار فهو التمييز بين الأمم والشعوب على أساس عرقيّ . وهذا ما يبدو واضحاً في تمييزه بين الفرس ( الآريين ) القادرين على أن ينهضوا بأمور العلم والفلسفة ، وبين العرب ( الساميين ) الذين لم يمنّ عليهم اللّه بهذه النعمة ! ثاني هذه الحقائق أن رينان يطلق لقب الملاحدة على أناس لا ينطبق عليهم في أي حال من الأحوال . وعلى الرغم من المعنى المجازي لهذه الكلمة فإن أرنست رينان تسرَّع كثيراً في استخدامها لأنها تشير إلى أناسٍ يحملون أفكاراً تتناقض مع الدين الأمر الذي لا ينطبق لا على ابن رشد ولا على ابن سينا أو الأفغاني . وهذا دليل ، من بين أدلة أخرى ، على أن رينان غير مطّلع بما فيه الكفاية على الفكر الفلسفي لكلٍّ من هؤلاء ، علماً أن هؤلاء الثلاثة انطلقوا في عملية التفلسف من الخلفية التي أمَّنها لهم الدين الإِسلامي . ولابد أن نذكر في هذا المجال المجهود الفذ الذي بذله ابن رشد للتوفيق فيما بين الدين والفلسفة والبرهنة على عدم تعارضهما ، وذلك في دراسته الشهيرة بعنوان : « فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال » [ 1 ] . ولعلنا لانغلو في القول أن التيار الذي أسَّس له ابن رشد ، وهو تيار التوفيق بين الدين والفلسفة أوبين الحكمة والشريعة ، لا يزال مفعوله سارياً إلى الآن في بعض الأدبيات الفلسفية المعاصرة . ثالث هذه الحقائق أن اضطهاد الفلسفة والعلم في البقعة العربية الإِسلامية لم يأتِ نتيجة علةٍ في الإِسلام نفسه ، مثما صوَّرها لنا أرنست رينان ( وهو ينطلق هنا من رأيٍ جاهز ومسبق ومعادٍ لأيدين بوصفه خصماً ومنكِّلًا بالفلسفة ، وذلك انطلاقاً مما حل بالفلسفة الأوروبية على يد الكنيسة ) وإنما في السلطة السياسية ، في فترات تاريخية معينة ؛ وهي التي نكَّلت بالفلسفة والعلم حفاظاً على مصالحها لاعلى مصالح الاسلام . وهنا لابدَّ من رؤية خلَلٍ آخر في محاضرة رينان . فهو لم يرجع إلى النصوص الإِسلامية الرسمية ( من قرآنٍ وحديث ) لمعرفة ما إذا كانت تحض على العلم وحرية التفكير أم لا . بل إن رينان استسهل الأمر وبنى حديثه على
هامش
[ 1 ] . راجع هذا الكتاب والدراسة المرفقة به للدكتور محمد عمارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1986 م ، 102 صفحة .