وانطلاقاً من موقفه المسبق إزاء العرب والمسلمين يتساءل ما إذا كان هذا العلم إسلامياً بعد أن ( أكد ) على عدم عروبته ( ولكن دون أن يقنع أحداً وحتى من الفرنسيين أنفسهم كما سنرى بعد حين ) . وجواب رينان ، في هذا الإطار ، يمكن أن نلخصه على الوجه التالي : فالإِسلام ، بما هو روحيّ وزمنيّ ، فرض سلطته على العلوم والفلسفة ، وكانت الاثنتان مضطهدتيْن في ظله . لكنه يميز بين فترتين في تاريخ الإِسلام : تمتد الأولى منذ ظهور الدعوة الاسلامية وحتى نهاية القرن الثاني عشر ميلادي . وقد شهدت هذه الفترة ازدهاراً على صعيد الفلسفة والعلوم والمعارف الأخرى . لكن هذا الازدهار جاء على يد الفرق والشَيع المختلفة ، وأيضاً على يد المعتزلة الذين كانوا يمثلون في ذلك الوقت نزعة إصلاحية ( پروتستنتية ) . أما الفترة الثانية فتمتد من بداية القرن الثالث عشر حتى الوقت الحاضر ( أي منتصف القرن التاسع عشر ) حيث ساد الحكم المطلق للاسلام فطمس ما عداه انطلاقاً من أنه يمثل في المجتمعات التي دانَت به كلًّا من السلطتين الروحية والزمنية . وهذه الفقرة من حديثه يختمها رينان بالقول : « . . . وحكم العقيدة الجامدة ( ! ) هو أثقل قيد عرفته البشرية » [ 1 ] . ولعل هذا التمييز الذي لاحظه رينان في تاريخ الإِسلام حيث انْتَصَفَه إلى نصفيْن ، نصف مؤيد للعلوم والفلسفة ونصفٍ آخر مضطهِدٍ لهما ، إن هذا التمييز لجهة التاريخ يُتبعه بتمييز آخر يتعلق بالاسلام نفسه . فالاسلام إبان عصوره الأولى كان ضعيفاً وغير متماسك ، ومن أجل ذلك فقد أبدى تسامحاً إزاء المعارف المختلفة ومن بينها العلم والفسلفة . هذا ما كان في العصور الوسطى وما قبلها . أما عندما اشتد ساعده وأصبح متماسكاً في بُنيته وفي دولته ، فقد لجأ إلى اضطهاد هذه المعارف والحد من نشاطها . * * * هذا موجزُ ما قاله رينان في محاضرته ، بل أهم ما قاله . ولعل نظرة ممعنة في مضمون هذه المحاضرة تجعلنا وجهاً لوجه مع عدد من الحقائق .
هامش
[ 1 ] . المصدر السابق ، ص 53 .