على أي حال فنحن نعمل ، هنا على تسليط الضوء مرةً أخرى على ما قاله رينان في محاضرته . لقد ألقيت المحاضرة ، مثلما نوهنا قبل قليل ، على منبر السوربون في التاسع والعشرين من آذار 1883 م ، وفي ذات اليوم نشرت في صحيفة ال « جورنال دي ديبا » . يدشن رينان محاضرته بالكلام على أحوال الأقطار الاسلامية فيلاحظ أنها تعيش في العصر الحديث خواءً فكرياً وثقافياً . وهذا عائد إلى الحكم الإِسلامي في هذه الأقطار . فالمسلمون مقتنعون ، منذ الصغر ، بأنهم مكتفون ذاتياً من ناحية العلوم والمعارف « حتى أن الطفل المسلم ينشأ على التعصب معتقداً أنه وصل إلى الحقيقة المطلقة ، سعيداً بذلك كأن نقْصَه وتخلفه امتيازٌ يُرتجى . وهذا الغرور الجنوني هو العيب الجوهري للمسلم . فالبساطة الظاهرة في دينه توحي إليه باحتقار الأديان الأخرى ، وبذلك يحتقر الثقافة والعلم وكل ما يتعلق بأوروبا » [ 1 ] . ويطرح رينان تساؤلًا في وجه الذين كانوا يصيخون السمع إليه فيقول : هل هناك ما يمكن أن نطلق عليه علماً إسلامياً ، وإلى أي مدى يمكن أن يسمح الاسلام بهذا العلم ويتسامح معه ؟ وإذا عمل على الإِجابة عن تساؤله عاد إلى التاريخ الاسلامي ليقرَّ بأن بلاد المسلمين لم تخلُ يوماً من أبرز العلماء والفلاسفة . وقد حدَّد تاريخاً يقع بين القرن الثامن والثالث عشر إذ في هذه الفترة الواقعة بين هذين التاريخيْن شهد العالم الاسلامي نهضة علمية وفكرية متقدمة ، كما أن العالم الاسلامي ، في تلك الفترة ، تفوق حضارياً على العالم المسيحي . بل إن العالم الاسلامي ، إبان تلك الفترة ، لم يكن في سائر أرجاء المعمورة ما يناظره ويماثله في نهضته الفلسفية والعلمية . غير أن هذه النهضة العلمية والفلسفية ، كما يلاحظ رينان ، سرعان ما ذهبت أدراج الرياح ، فأصبحت كلمة فلسفة ترادف كلمة زندقة ، وأن لقب فيلسوف يعرّض صاحبه للملاحقة والاضطهاد . ولم يبقَ هذا السقوط الحضاري منحصراً في
هامش
[ 1 ] . جمال الدين الأفغاني في رده على أرنست رينان ، الأزمنة ، مصدر مذكور سابقاً ، وذلك نقلًا عن نص المحاضرة التي نشرتها ال « جورنال دي ديبا » في كراس خاص من 24 صفحة بعنوان : . 1883 ،Levy . C , Paris , scienceal te i'L islamisme