وأقصى مانستطيع قوله عن تاريخ هذا اللقاء أنه تمَّ في بداية أو منتصف شهر آذار من عام 1883 م وهو الشهر الذي ألقى فيه رينان محاضرته الشهيرة . ويبدو أن شخصية الأفغاني أحدثت تأثيراً كبيراً في نفس رينان حيث تخيَّله واحداً من ( الملاحدة الكبار ) ! وأنه ابن سينا أو ابن رشد وقد بُعث حياً من جديد ! يقول رينان : « قليلون هم الذين تركوا في نفسي انطباعاً أقوى مما تركه هو . وقد ساقني حديثي معه إلى اتخاذ قرار باختيار الصلة بين الروح العلمية والاسلام موضوعاً لمحاضرتي في السوربون .
فالشيخ جمال الدين الأفغاني متحرر ، إلى أبعد درجة ، من « الأهواء » الإِسلامية ( ! ! ) وينتمي إلى تلك الأجناس الإِيرانية ( ! ) النشطة التي تعيش قرب الهند حيث ما تزال الروح الآرية [ 1 ] متقدة تحت القشرة المصطنعة للاسلام الرسمي ، وهو يشكل أفضل برهان على صحة البَدَهية العظيمة التي طالما نادينا بها وهي أن الأديان تقيَّم بالأجناس التي تعتنقها . وقد جعلني تحرُّر تفكيره وشخصيته النبيلة الوفية أتمثله ، وأنا أتحدث إليه ، واحداً من معارفي القدامى وقد عادت إليه الحياة مثل ابن سينا أو ابن رشد أو سواهما من أولئك الملاحدة [ 2 ] الكبار الذين قاموا بتمثيل تقاليد العقل البشري على مدى خمسة قرون . ويا لها من مفارقة شديدة حين رحت أقارن بين ظهوره المثير هذا ومايدور فيالبلاد الاسلامية الواقعة على ذلك الجانب من بلاد فارس ، حيث يندر وجود الفضول العلمي والفلسفي ( ! ) . فالشيخ جمال الدين إنما يشكل أبلغ حالات الاحتجاج العرقي - التي يمكن التنويه بها - على الفتوحات القائمة على الدين » . * * *
هامش
[ 1 ] . هذه العبارة تشير ، وبما لايرقى إليه الشك ، إلى اتجاه عرقي عند رينان للتمييز بين الأجناس ، وتفضيل جنس على آخر حيث يحط هنا من شأن الجنس السامي مقابل إعلاء الجنس الآري .
[ 2 ] . لا نعرف بالتحديد ماذا عَنَى رينان بكلمة ملاحدة ؟ فلا ابن سينا ولاابن رشد في القرون البعيدة ولا الأفغاني في العصر الحديث أدلوا برأي أو بموقف فكري قد نستشف منه دليلًا على الاالحاد . والأرجح أن رينان يقصد بالملحدين ، الفلاسفة . والكلمة هنا تحمل معنى مجازياً . وقد انطلق رينان من مقولة أن الفسلفة تتعارض في كثير من المواقف مع الدين . وهو في هذا تحديداً ينطلق من تجربة الفلسلفة الأوروبية التي لاقت الأمرين على يد الكنيسة .