وانقادوا للعبودية ، ونسوا ما كان لهم من المجد المؤثل والمقام الأمثل - وبعد انحدارهم عن ذروة العقل ، الذي لا كرامة للانسان إلا به ، غلبت عليهم الخسة والنذالة . ورانت على قلوبهم ، الجفاء والقسوة . وتمكن من نفوسهم الظلم والجور . واستولى عليهم العجب ، لا عن جاه يدعو إليه ، ولا عن فضيلة تبعث عليه . وتظاهروا مع الذل المتمكن من قلوبهم بالكبر والعظمة ، وفشابينهم الشقاق والنفاق . وتلبسوا بالغدر والخيانة . واستشعروا الحسد والنميمة وتسربلوا بالحرص والشره . وتجاهروا بالوقاحة والشراسة . واتسموا بالخشية والجبانة . وانهمكوا في الشهوات الدنية . وخاضوا في اللذات البدنية وتخلقوا بالأخلاق البهيمية ، متوسدين الكسالة والفشل . واتصفوا بصفات الحيوانات الضارية يفترس قويهم ضئيلهم . ويستعبد عزيزهم ذليلهم . يخونون أوطانهم . ويظلمون جارهم . ويستلبون أموال ضعفائهم . ويخوسون ( ربما المقصود يحنثون ) بعهودهم . ويسعون في خراب بلادهم . ويمكنون الأجانب من ديارهم لا يدفعون ذمارا . ولا يخشون عارا . عالمهم جاهل . وأميرهم ظالم . وقاضيهم خائن . ليس لهم هاد ، فيرشدهم إلى سبيل نجاتهم ، ولا زاجر ، فيكفهم عن التمادي في غيهم . ولا وازع ، يقدع ( اي يمنع ) الجائرين عن نهش عظام فقرائهم - وصاروا جميعاً ، بسخافة عقولهم ، وفساد أخلاقهم ، عرضة للهلاك ، وأشرفوا على الزوال - تأمل فيما أقص عليك من أعمال الشرقيين من قبل ، حتى تعلم أنهم هم الذين ، بحيدانهم عن سنة العقل ، قد أوقعوا أنفسهم في الذل الدائم ، وجلبوا ، بعدم تدبرهم في عواقب أمورهم ، الخراب والدمار إلى بلادهم ، واضعفوا ، بسوء سياستهم ، سلطنتهم القوية . ومكنوا أعداءهم من بلادهم ، جهلا منهم بنتائج أعمالهم - وها هو ذا - . ان العثمانيين قد اتفقوا مع الروس على مقاسمة البلاد الإيرانية حينما تغلب الأفغانيون على أصفهان أيام شاه سلطان حسين . ولو نظروا بنظارة التدبر إلى الأمة الروسية ، وما لها من العلاقات مع اليونانيين والرومانيين والسربيين والبلغاريين وغيرهم من رعايا السلطنة العثمانية ، وما يمكنها أن تحوزه في مستقبل أمرها من القوة والبسطة ، لما اختلجت ببالهم محالفتها . . ولا خطرت في أذهانهم مؤامرتها - بل كانوا يسعون في قلع أسها قبل استحكامه ، وقطع شجرتها قبل أن تشج عروقها .
الرسائل والمقالات — صفحة 162
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٢