تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
كلهم ، بغرورهم ، على الزوال والاضمحلال - وان مدحت باشا [ 1 ] وأعوانه ، لو نظروا ببصيرتهم إلى أركان سلطنتهم المتداعية إلى السقوط . . وشعروا بهداية عقولهم ، ان دعائم حكومتهم كادت أن تنهد ، بما ألم بها من المصائب . . وعلموا بتدبرهم ان البلايا تترصدهم من جوانبهم . . لما تقحموا غروراً وضلالة في خلع عبد العزيز وقتله ، وقتما تترقب الأعداء سقطاتهم ، وتغتنم هفواتهم . ولكنهم ، اعتماداً على واهي آرائهم ، واغتراراً بدسائس الحكومة الانكليزية ، قد جلبوا الهلاك والاضمحلال على أمتهم . . ويظنون أنهم هم المصلحون - وان إسماعيل باشا [ 2 ] حبا بالاستقلال ، وعمى عن نتائج أفعاله السيئة التي نشئت ( نشأت ) عن حرصه باسم الملك ، قد ألقم الإفرنج جميع أموال مصر ، وما استدانه من صرافي الأوربا بالأرباح الباهظة . ثم سعى الإفرنج في خلعه عن الملك ، ونفيه عن الديار المصرية إرادة استملاكها ، ووضع اليد عليها - ولو تروى في حالة الشرقيين ، وتأمل فيما أصابهم من الذل والصغار لأجل تفرق كلمتهم ، لازداد خضوعاً لسلطانه . وسعى ، صيانة لنفسه ، في تشييد مباني سلطنته ، ونزع عن قلبه حب الاستقلال . وعلم ، ان الذين لا يفترون عن السعي في فتح الممالك ، لا يمكن أن يساعدوه في مقاصده - وان وزراء توفيق باشا ، جهلا بمقدار أنفسهم ، وعجباً بآرائهم الفاسدة ، واثباتاً لأوهامهم الباطلة ، قد جلبوا الانكليز بغاية جهدهم إلى القطر المصري ، وملكوهم إياه . وهم يظنون أنهم يستظهرون بهم على أعداء الخديو . فلو تدبروا في سياسة الحكومة الانكليزية ورأوا أطماعها في أرض مصر ، لما جلبوا هذا المصيبة على أنفسهم ، وعلى خديوهم ، وعلى سلطانهم ، ولما ألقوا أنفسهم في فم الأسد ، خوفاً من‌وعوعة الكلب . فقد ظهر ، من كل ما ذكرته من سير الشرقيين قدماً في حالاتهم ، انهم ماسلكوا
هامش
[ 1 ] . كان مدحت في منصب الصدر الأعظم ، ثم عين والياً على بغداد ثم على سورية ، في أواخر السبعينات من القرن الماضي . بعد ذلك أعفي من منصبه واستدعي إلى الآستانة . وإثر الاعفاء ، اتهم مدحت بمحاولة قتل السلطان عبد العزيز ، فحوكم وحكم عليه بالاعدام . [ 2 ] . إسماعيل باشا كان خديوي مصر ، في أوائل الربع الأخير من القرن الماضي . وقد اشتهر أثناء بناء الأوبرا المصرية ، حيث دعا ملوك أوروبا وأمراءها إلى حفل الافتتاح ، وأنفق في سبيل ذلك مبالغ باهظة .