تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
بالحيدان عن صراطه القويم . من فقده فاتته السعادة لا محالة ، ولو أخرجت له الأرض أفلاذها ، وأسبغت عليه الدنيا نعيمها - وان الأمم ما سادت إلا بهدايته . وما ذلت بعد رفيع مقامها وعظم منزلتها إلا بعد أن أعرضت عن خالص نصحه . وتوغلت في بيداء غوايتها . واستعملته في مسالك ضلالتها . واستخدمته لقضاء أوطار طبائعها الخسيسة التي تجلب عليها الشنار ، وتوجب المعرة والصغار - والنفس هي منشأ أخلاق كريمة وأوصاف عقيلة ( أي عاقلة ) هي قوام الاجتماعات المدنية والمنزلية ، وأساس التعادل في المعاملات ، وميزان التكافىء في المؤازرات ، ومقياس التوافق في المعاونات ، ولا يمكن التألف بين القوى المتفرقة ، لاقتناء ما يقوم به حيوة ( أي حياة ) الانسان ، إلا بها . ولا تلتئم أهوية النفوس المختلفة ، لاكتساب ضروريات معاشها ، إلا بسببها . وهي التي تجعل الأفراد الانسانية ، مع تضاد طبائعها ، بمنزلة شخص واحد يسعى بأعضائه ، المتخالفة في أشكاله وجوارحه ، المتباينة في هيئتاتها ، إلى مقصد واحد لا يمكن الوصول إليه إلا باستعمالها ، بحركات قد اختلفت مع وحدة جهتها أو ضلعها - وسيادة الأمم الغابرة والحاضرة ، هي من أخص نتائجها . لأنها لا يمكن حصولها إلا باتفاق كلمة احادها ، واجتماع آراء افرادها . ولا تتفق الكلمة عن بعد ( أي عندما ، كمايرجح ) تجتمع الآراء ، إلا بالتكافىء في المساعي ، والتوازن في تحمل المشاق ، والاشتراك في المنافع ، والمساواة في الحقوق ، والتعادل في التمتع بثمرات الأعمال بلا تفاضل ولا استيثار ( استئثار ) . وكل هذه ، في وجودها وبقائها ، تحتاج إلى الأخلاق الكريمة والأوصاف العقيلة ، التي بها يعرف الانسان حقه ويقف عنده - ولا تشتتت أمة . . ولا ذل قوم . . ولا اضمحلت سلطنة . . ولا تفرقت جمعية . . إلا بفساد أخلاقها ، وتطرق الخلل في سجاياها . . لأنها بفسادها ، وتطرق الخلل فيها ، توجب تخالف الأيدي ، وتباعد الأهواء ، وتضارب الآراء ، وتبائن ( أي تباين ) الأفكار ، فيستحيل حينئذ الاجتماع ، ويمتنع الاتفاق - وإذا أمعن البصير في حقيقة الأخلاق الرذيلة ، يعلم ، انها بذاتها ، تبعث على التفرق والاختلاف ، وتمنع عن الاجتماع والايتلاف ( الائتلاف ) . وما ينشأ عن ذات الشيء ، لا يمكن زواله ، وما دامت ذاته باقية . فإذا تمكنت الأخلاق الرذيلة من أمة ، فلا يرجى لها نجاح ، ولا يحصل لها فلاح ، مالم