تسع في مديلها ( غير مفهومة ، يرجح انها تعديلها ) ، ولم تدأب في تقويمها - ويمكن أن يقال أن بين كمال العقل ، وطهارة النفس ، وتخلقها بالأخلاق الفاضلة ، تلازماً . لأن العقل إذا بلغ كماله يقهر الطبيعة . فحينئذ تسلم النفس عن سوراتها ، وتخلص من عكر مذماتها ، فتنقاد للعقل مستسلمة له ، خاضعة لحكمه . ويستعملها العقل على نهج الحق والعدل - وليست الأخلاق الفاضلة ، إلا أن تزن النفس أعمالها بميزان العدل ، ولاتحيد في هواها عن صراط الحق . وبعد هذه المقدمة ، يمكن لنا أن نقول أن الشرق ، بعد ما كان له من الجل الرفيع ، والمقام المنيع ، والسلطنة العظيمة ، وبسطة الملك ، وعظيم الشوكة ، وكثرة الصنائع والبدائع ، ووفور الأمتعة والبضائع ، ورواج سوق التجارة ، وذياع العلوم والمعارف ، وشيوع الأدب والفنون . . ما هبط عن جليل مرتبته ، وما سقط عن رفيع منزلته ، ولا استولى الفقر والفاقة على ساكنيه ، ولا غلب الذل والاستكانة على عامريه ، ولا تسلطت عليه الأجانب ، ولا استعبدت أهله لأباعد ، لاعراض الشرقيين عن الاستنارة بنور عقولهم ، وتطرق الفساد في أخلاقهم ، فإنك تراهم في سيرهم كالبهائم لايتدبرون أمراً ، ولا يتقون في أفعالهم شراً ، ولا يكدون لجلب النافع ، ولا يجتنبون عن الضار . . طرأ على عقولهم السبات ، ووقفت أفكارهم عن الاجالة في إصلاح شؤونهم ، وعميت بصائرهم عن ادراك النوازل التي أحاطت بهم . .
يقتحمون المهالك ، ويمشون المداحض ويسرعون في ظلمات أهوية نفوسهم التي نشئت عن أوهامهم المضلة ، ويتبعون في مسالكهم ظنوناً قادهم إليها فساد طبائعهم . . لا يحسون المصائب قبل أن تمس أجسادهم . وينسونها كالبهيمة بعد زوال آلامها واندمال جراحها . ولا يشعرون لاستيلاء الغباوة على عقولهم ، واكفهرار ظلمات غشاوة الجهل على بصائرهم . اللذائذ التي خص الانسان بها من حب الفخار وطلب المجد والعز وحسن الصيت وبقاء الذكر ، بل لاستيلاء الغفلة على عقولهم . يحسبون أن يومهم دهرهم . والتقمقم كالسارحة شأنهم لا يدرون عواقبهم ، ولا يدركون مآل أمرهم ، ولا يتداركون ما فاتهم ، ولا يحذرون ما يتربصهم من أمامهم ومن خلفهم . ولا يفقهون ما أكمن لهم الدهر من الشدائد والمصاعب . ولذا تراهم قدرئموا ( أي راموا ) الذل وألفوا الصغار وأنسوا الهوان ،
الرسائل والمقالات — صفحة 161
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦١