رؤساء ذلك الدين وانسلّوا من هذا الحكم ، وأُغفل فيما بينهم ؛ حتّى كأنه لم يكن من دينهم ، إلّا أنّ ما سلبوه من الكرامة عن غيرهم انتحلوه لأنفسهم ، فارتفع امتياز الجنسيّة من بين أهل الدين ، وخلفه امتياز الصنفيّة ، فسمت منزلة الرؤساء الروحانيّين في قلوب الآخذين بدينهم ، حتّى صار من عقائدهم أنّ صنفاً من الناس على منزلة القرب إلى اللَّه ؛ بحيث لايردّ اللَّه له طلبة ، ثمّ الحجاب بين اللَّه وبين سائر الأصناف ؛ لا يقبل اللَّه من أحد صَرْفاً ولا عدلًا ، ولا يُعتدّ له [ 1 ] ، ولا يغفر له ذنباً بتوبة ، حتى يتوسّط له أهل طبقة الرئاسة ، فعندهم أنّ كلّ نفس - وإن بلغت من الكمال ما بلغت - ليس فيها ما يؤهّلها لعرض ذنوبها على أبواب العفو الإلهي ، ولا أنّ تَرفع إليه طلب المغفرة لخطيئاتها ، بل لابدّ في قبول ذلك منها أنّ يكون بواسطة الرئيس الديني ، ومن آمن باللَّه ، وصدّق به ، وأخذ بأحكامه ، لا ينظر اللَّه لإيمانه ، حتى ينظر إليه الرئيس الديني ، ويعتدّه إيماناً ، واستندوا في هذه العقائد على نصوص من كتابهم ؛ تفيد أنّ ما يحلّونه في الأرض يكون محلولًا في السماء ، وما يعقدونه في الأرض يُعقد في السماء ، وقد جلبت هذه العقيدة على أهل هذا الدين شقاء طويلًا ، وألقت بهم في جهالة عمياء وذلة خرساء زمناً مديداً ، حتّى ظهر فيهم مجدّدون نقضوا ذلك العقد ، وخالفوا فيه ما اشتهر من نصوص الكتاب ، وقلّدوا في ذلك الدين الاسلاميّ وسمّوا مذهبهم الاصلاح ، ونشروه في ممالك متعدّدة ، فلم يلبث قومهم بعد ذلك أن تكشّفت عنهم جَهلات [ 2 ] ، وحلّت من أعناقهم رِبق ، ونهضوا من حضيض ذلّة إلى ذِروة رفعة ، فنطقوا بعد ما صمتوا ، وعلموا بعد ما جهلوا ، وحَكَموا بعد ما حُكِموا ، وسادوا بعد ما سيدوا . * * * الأمر الثالث : أن تكون عقائد الأُمّة - وهي أوّل رقم ينقش في ألواح نفوسها - مبنيّة على البراهين القويّة والأدلّة الصحيحة ، وأن تتحامى عقولهم مطالعة الظنون في عقائدها ، وتترفّع عن الاكتفاء بتقليد الآباء فيها ، فإنّ معتقداً لاحت العقيدة في مخيّلته بلا دليل ولا حجّة ، قد لا يكون موقناً ، فلا يكون مؤمناً .
هامش
[ 1 ] كذا ، والمناسب : ولا يُعتدّ له بعمل صالح . .
[ 2 ] جمع جهلة : بمعنى الجهل .