وقلّما يوجد من الأديان ما يساويه أو يقاربه في هذه المزيّة ، وأظنّ غير المسلمين يعترفون لهذا الدين بهذه الخاصّة الجليلة . ومن الأديان الظاهرة ما بنى أعظم أركانه على أصل الكثرة في الواحد ، أو الوحدة في الكثير ، وأنّ الواحد يكون أكثر ، والكثير يكون واحداً ممّا تنبذه بداهة العقل فلّما أنكر العقل أصله هذا ، أجمع أهل الدين على أنّه فوق نظر العقل ، فلا ينال الكفر دركه ؛ لا بالْكُنه ولا بالوجه ، ولا يهتدي لدليل عليه ولا مرشد أليه ، يريدون أنه لا بدّ من تنكّب طريق العقل ونبذ أحكامه ، حتّى يمكن الايمان بهذا الأصل ، مع أنّ العقل مشرق الإيمان فمن تحوّل عنه فقد دابر الإيمان ، وإنّ فرقاً بين ما لا يصل العقل إلى كنهه ، لكنه يعرفه بأثره ، وبين ما يحكم العقل باستحالته ، فالأول معروف عند العقل يقرّ بوجوده ، ويقف دون سرادقات عزّته ، أمّا الثاني فمطروح من نظره ، ساقط من اعتباره لا يتعلّق به عقد من عقوده ، فكيف يصدّق به وهو قاطع بعدمه ؟ ! وأمّا أُصول دين براهما ، فمن البيّن لكلّ ناظر فيها أنّ أغلبها مخالف لصريح العقل ، وذلك من جليّات المسائل ؛ سواء اعترف أهل هذا الدين بثبوته ، أو كابروا بإنكاره . * * * الرابع أنّ يكون في كلّ أُمّة طائفة يختصّ عملها بتعليم سائر الأُمّة لا يَنُونَ في تنوير عقولهم بالمعارف الحقّة وتحليتها بالعلوم الصافية ، ولا يألُونَ جُهْداً في تبيين طرق السعادة لهم والسلوك بهم في جوادها ، ثمّ طائفة أُخرى تقوم على النفوس تتولّى تهذيبها وتثقيف أَوَدها [ 1 ] ، وتكشف عن الأصاوف الفاضلة وحدودها ، وتمثّل للمدارك فوائدها ومحاسن غاياتها ، وتفضح مستور الرذائل ، وتشقّ الحجاب عن مضارّها وسوء منقلب المتدنّسين بها ، وتشتدّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا تلهيها عنهما غفلة ، ولا تردّها عنهما صعوبة ؛ وذلك أنّ بداهة العقل حاكمة بأنّ جُلّ المعارف الشريّة والعقائد الدينيّة مكتسبة ، فإن لم يكن في الناس
هامش
[ 1 ] أي تقويم اعوجاجها .