تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ترى الواهم المسكين يقضي حياته بين رجفة واضطراب ، يتطيّر من طيران الطيور وحركات البهائم ، ويضطرب من هبوب الرياح ، وينزعج لقصف الرعد والتماع البرق ، ويسلك به الوهم طرق الخيفة ممّا لا أثر له في الإخافة ، وبهذا يسجّل عليه الحرمان من أغلب أسباب السعادة ، ثمّ يكون أُلعوبة في أيدي المحتالين ، وصيداً في حبائل الماكرين والدّجّالين . وأوّل ركن بني عليه الدين الإسلامي صقل العقول بصقال التوحيد ، وتطهيرها من لوث الأوهام ، فمن أهمّ أُصوله الاعتقاد بأنّ اللَّه متفرّد بتصريف الأكوان ، متوحّد في خلق الفواعل والأفعال ، وأنّ من الواجب طرح كلّ ظنّ في إنسان أو جماد - عُلويّاً كان أو سُفليّاً - بأنّ له في الكون أثراً بنفع أو ضُرّ ، أو إعطاء أو منع ، أو اعزاز أو إذلال ، ومن المفروض خلع كلّ عقيدة بأنّ اللَّه - جلّ شأنه - ظهر أو يظهر بلباس البشر أو حيوان آخر لصلاح أو فساد ، أو أنّ تلك الذات المقدّسة نالت في بعض أطوارها شديد الآلام وأليم الأسقام لمصلحة أحد من الخلق ، فضلًا عمّا يحفّ بذلك من خرافات ، كلّ واحدة منها كافية في إعمال [ 1 ] العقول وطمس ونورها . وأغلب الأديان الموجودة لا يخلو من هذه الأوهام ، إن شئت فاضرب بنظرك إلى ديانة براهما في الهند ، ودين بوذا في الصين ، ودين زرادشت ، وكثير من أديان أُخرى . . . * * * الأمر الثاني : أن تكون نفوس الأُمم مستقبلة وجهة الشرف ، طامحة إلى بلوغ الغاية منه ؛ بأن يجد كلّ واحد من نفسه أنّه لائق بأيّة مرتبة من مراتب الكمال الإنساني ، ما عدا رتبة النبوّة ، فإنّها بمعزل عن المطمع ، وإنّما يختصّ اللَّه بها من شاء من عباده ، ولا يذهب وَهْم أحد من الامّة إلى أنّه ناقص الفطرة ، منحطّ المنزلة ، فاقد الاستعداد لشيء من الكمالات ، فإذا أخذت نفوس الناس حظّها من هذه الصفة - أعني الإقبال على وجوه الشرف - تسابق كلٌّ مع الآخر في مجالات الفضائل ،
هامش
[ 1 ] كذا ، والمناسب : في إخماد . .