تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وتمادت بهم المجاراة إلى محاسن الأعمال ، فبلغ كلّ واحد ما أتى عليه سعيه من عاليات الأُمور وشرائف المراتب . ولو أنّ قوماً أساؤوا الظنّ بأنفسهم ، واعتقدوا أنّ نصيبهم من الفطرة نقص الاستعداد وخسّة المنزلة ، وأن لا سبيل لهم إلى الوقوف في مصافّ غيرهم من طبقات الناس ، فلا ريب يسقط من هممهم على مقدار ما ظنّوا في أنفسهم ، وبذلك يتولّى النقص أعمالهم ، ويملك الخمود عقولهم ، فيحرمون معظم الكمالات البشريّة ، وينقطعون دون كثير من مقامات الشرف الدنيويّة ، وتكون جولتهم في دائرة ضنكة ، محيطها دون ما ظنّوا بأنفسهم . إنّ دين الإسلام فتح أبواب الشرف في وجوه الأنفس ، وكشف لها عن غايته ، وأثبت لكلّ نفس صريح الحقّ في أيّ فضيلة ، وأنبأ كلّ ذي نطق بوفرة استعداده لأيّ منزل من منازل الكرامة ، ومَحَق امتياز الأجناس وتفاضل الأصناف ، وقرّر المزايا البشريّة على قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير . فالناس إنّما يتفاضلون بالعقل والفضيلة ، وقد لا نجد من الأديان ما يجمع أطراف هذه القاعدة ، فلديك دين « براهما » قسّم الناس إلى أربعة أقسام : أحدها « برهمن » ، وثانيها « جهترى » ، وثالثها « ويش » ، ورابعها « شودر » ، وقرّر لكلّ منزلة من كمال الفطرة لا يجاوزها ، فأعلى منازل الكمال للبرهمن ، ويليها منزلة الجهترى ، والصنف الرابع أخسّها وأدناها في جميع المزايا الإنسانيّة . وكان هذا التقسيم سبباً في انحطاط المتديّنين بهذا الدين ، وقصور خُطاهم عن الرقيّ في مدارج المدنيّة ، وانحسار أفكارهم دون الوصول إلى ما يطلبه استعدادهم من المعارف الصحيحة والعلوم الحقّة ، مع أنّهم أقدم الأُمم وأسبقها نظراً في الكون وشؤونه . ومن الأديان ما يغلب اليوم على أُمم من البشر ، وفي أُصول [ 1 ] تفضيل شعب خاصّ على بقيّة الشعوب ، كشعب إسرائيل مثلًا ، وكتابه المعروف يخاطب أبناء ذلك الشعب بالكرامة والإجلال ، ويذكر غيرهم بالتحقير والإهانة . نعم جاء
هامش
[ 1 ] كذا : والمناسب : وفي أُصوله . .